تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
إن قلت : إنّ استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد محال . قلنا : أوّلا : أنّه لا نسلّم استحالته كما سيأتي مفصّلا ، وثانيا : أنّه لو سلّمنا الاستحالة فهي في موارد كانت للّفظ معان مستقلّة مثل : كلمة « عين » لا في موارد كانت للّفظ معان تبعيّة كما في ما نحن فيه . ولكن التحقيق في الجواب : إنّه لا بدّ من توضيح نكتة هاهنا ، وبها يندفع الإشكال ، ولا نحتاج إلى الجوابين المذكورين ، وهي : أنّ صاحب الكفاية قدّس سرّه لم يبيّن معنى الجزئيّة التي ذكرها في جملة : « سرت من البصرة إلى الكوفة » وكذا معنى الكلّية التي ذكرها في جملة : « سر من البصرة إلى الكوفة » ولا بدّ من توجيهه بأنّ السير الذي تحقّق في الماضي وكان المتكلّم في مقام الإخبار عنه كانت له خصوصيات متعدّدة ، من قبيل تحقّقه في زمان معيّن وطريق معيّن ومع وسيلة مشخّصة ، وهكذا فيكون هذا المعنى جزئيّا خارجيّا . وأمّا في مقام الأمر بأنّ : « سر من البصرة إلى الكوفة » يكون السير المأمور به كلّيا ؛ إذ المولى لم يقيّد تحقّقه بزمان كذا وطريق كذا و . . . فيحصل موافقة الأمر بامتثال كلّ مصداق من المصاديق ، ولا معنى للكلّية والجزئية سوى ذلك . إذا عرفت هذا فنقول : لا شكّ ولا شبهة في أنّه لا دلالة للجمل الخبريّة على زمان السير وطريقه وسائر خصوصيّاته ، ولا تحكى عنها أبدا ، والالتزام بأنّ دلالة هذه الجمل ناقصة باطل إجماعا ومخالف للوجدان ، فيكون كلمة « من » في جملة : « سرت من البصرة إلى الكوفة » حاكية عن الواقعيّة المتعلّقة بالسير ، والبصرة ، وهي تمام معناها ، ولا دخل للزمان وسائر الخصوصيات فيه ، ولا فرق في هذا المعنى بينها وبين جملة : « سر من البصرة إلى الكوفة » وكلتاهما تفيد واقعيّة واحدة ، كالأسامي إذا استعملت في الجمل الإنشائية لا فرق بينها وبين ما إذا استعملت في الجمل الخبريّة ، فكيف يكون معنى كلمة « من » في الأولى جزئيّا وفي الثانية كلّيا ؟ !
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 130 | الشيخ فاضل اللنكراني