وهذا الإخبار من الاستقبال إخبار صحيح حتى مع عدم علم المتكلّم من زمان السير وانتهائه ، وهذا دليل على أنّه لا دخل للجزئيّة الخارجية في المعاني الحرفية ؛ إذ الموضوع له فيها كالوضع يكون كلّيا .
إن قلت : إنّ المراد من الجزئيّة هي الجزئيّة الذهنيّة ، بأنّ كلمة « من » وضع للابتداء الذي لوحظ وصفا وآلة للغير ، ولعلّ هذا المعنى يستفاد من كلام النحويين في مقام تعريف الحرف : من أنّه كلمة تدلّ على معنى في غيره .
قلنا : وفي هذا المعنى إشكالات متعدّدة :
منها : أنّ المولى إن قال : « سر من البصرة إلى الكوفة » فلا شكّ في أنّه قابل للامتثال أوّلا ، والامتثال يكون بالسير الخارجي ثانيا ، فعلى هذا يكون الامتثال مباينا للمأمور به ؛ إذ المأمور به مقيّد بالأمر الذهني ، والامتثال بالسير يتحقّق بالأمر الخارجي ، وبينهما بون بعيد .
ومنها : أنّ اللحاظ لو كان موجبا للجزئيّة فلم لا يكون موجبا لها في الأسماء ، فإنّ معنى الابتداء عبارة « عن » الابتداء الذي لوحظ مستقلّا ، ولازم ذلك أن يكون المعنى في الأسماء أيضا جزئيّا .
ومنها : أنّ تحقّق الاستعمال يحتاج إلى لحاظين - يعني : لحاظ اللّفظ والمعنى - فإنّه عمل إرادي ، وكلّ عمل إرادي مسبوق باللحاظ ، ولكن بلحاظ كونه وصفا إضافيّا يحتاج إلى تصوّر اللفظ ، إلّا أنّ هذا التصوّر لكثرة انس الذهن بالألفاظ والمعاني كان سريع التحقّق وبلا التفات إليه .
إذا عرفت هذه المقدّمة فنقول : أنّ في جملة « سرت من البصرة إلى الكوفة » يتحقّق معاني اسمية وحرفيّة ، ولا نشكّ في أنّ معاني الاسمية - كالبصرة ، والكوفة ، والسير - تحتاج إلى لحاظين ، ولكن في كلمة « من » و « إلى » مع أنّهما لا يحتاجان في
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 109
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٠٩