العالم من الأحكام - أو لا ؟
هذا ما عنونه صاحب الكفاية قدّس سرّه ومثاله في الفقه : أنّ العلماء اختلفوا في نجاسة غسالة النجس وطهارتها ، فبعضهم قال بالتفكيك بين الغسالة الأولى والثانية فيما يعتبر التعدّد - وذلك في غير ماء الاستنجاء ، فإنّ له أحكاما خاصّة - ولكنّهم اتّفقوا على أنّها لا تكون منجّسة على فرض نجاستها .
وقال بعضهم : إنّ هنا يتحقّق دليل عامّ ، وهو أنّ كلّ نجس منجّس ، فهل الغسالة نجسة ولا تكون منجّسة حتّى يكون خروجها عن العامّ بنحو التخصيص ، أم طاهرة ولا تكون منجّسة حتّى يكون خروجها عنه بنحو التخصّص ؟ وبالتمسّك بأصالة عدم التخصيص وبقاء عموم كلّ نجس منجّس على حاله تثبت طهارة الغسالة ، فيترتّب عليها جميع آثار الطهارة .
والتحقيق : أنّ أصالة العموم لا تكون من الأصول الشرعيّة نظير الاستصحاب ، ولا من الأصول العقليّة نظير البراءة ، بل تكون من الأصول العقلائيّة نظير أصالة الظهور وأصالة الحقيقة ، وملاك حجّيّتها بناء العقلاء وعدم ردع الشارع ، وعدم اتّخاذه طريقا خاصّا غير طريقهم في مقام التفهيم والتفهّم ، وحجّيّة ظواهر الكتاب مستندة إلى ذلك ، فلا بدّ في مورد جريان هذه الأصول من إحراز بناء العقلاء ، وإن لم يحرز بناؤهم أو كان مشكوكا فلا يجوز التمسّك بها ؛ إذ هو نظير عدم الدليل الشرعي على حجّيّة شيء ، وإذا راجعنا العقلاء ولاحظنا بناءهم نعلم أنّهم يتمسّكون بأصالة العموم في صورة الشكّ في تخصيص العامّ ، أو الشكّ في التخصيص الزائد ، والشكّ فيما نحن فيه في أنّه هل يكون زيد عالما حتّى يكون خروجه عن العامّ بنحو التخصيص ، أم يكون جاهلا حتّى يكون خروجه عنه بنحو التخصّص ؟ ولم يحرز في مثل هذا المورد
دراسات في الأصول — صفحة 500
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٥٠٠