تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
ثمّ استشكل في دلالتها على التوحيد بالمناسبة ، مع أنّه لا يرتبط بمسألة المفهوم أصلا ، وهو أنّ خبر « لا » إمّا يقدّر « ممكن » أو « موجود » ، وعلى كلّ تقدير لا دلالة لها على التوحيد ، أمّا على الأوّل فإنّه حينئذ لا دلالة لها إلّا على إثبات إمكان وجوده تبارك وتعالى لا وجوده ، وأمّا على الثاني فلأنّها وإن دلّت على وجوده تعالى ، إلّا أنّه لا دلالة لها على عدم إمكان واستحالة إله آخر . ثمّ أجاب عنه بما لا يليق بشأنه ، وقال : إنّ المراد من الإله هو واجب الوجود ، ونفي ثبوته ووجوده في الخارج ، وإثبات فرد منه فيه - وهو اللّه تعالى - يدلّ بالملازمة البيّنة على امتناع تحقّقه في ضمن غيره تبارك وتعالى ؛ ضرورة أنّه لو لم يكن ممتنعا لوجد لكونه من أفراد الواجب ، وأمره دائر بين وجوب الوجود واستحالة الوجود ، بخلاف الممكن . ولكن هذا لا يوافق التأريخ واللغة والقرآن ؛ إذ التوحيد على أقسام : توحيد في الذات ، وتوحيد في الصفات ، وتوحيد في الأفعال ، وتوحيد في العبادة ، ومعلوم أنّ إشكال أعراب الجاهليّة لا يكون في مرتبة توحيد الذات ، فإنّهم كانوا معتقدين بالمبدأ ، كما أشار إليه القرآن بقوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
« 1 » ، ويستفاد من هذه الآية اعتقادهم بتوحيد الذات وتوحيد الأفعال ، ولازم ذلك الاعتقاد بتوحيد الصفات ، ولكنّهم كانوا فاقدين للتوحيد في العبادة ، وكان غرضهم من عبادة الصنم التقرّب إلى اللّه تعالى ، ويقولون :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
« 2 » ، وقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لهم : « قولوا لا إله إلّا اللّه تفلحوا » يكون معناه :
هامش
( 1 ) العنكبوت : 61 . ( 2 ) الزمر : 3 .