بذي المقدّمة ، فلا شبهة في تحقّق الفرق بينهما ، ولا محالة يستحقّ الأوّل المثوبة بخلاف الثاني .
قلنا : سلّمنا تحقّق الفرق هاهنا ، ولكنّه في استحقاق المدح وعدمه لا في استحقاق المثوبة وعدمه ؛ إذ الانقياد والتهيّؤ بإتيان المبادئ مع عدم حصول ذيها لا يوجب إلّا كونه ممدوحا عند العقلاء ، بخلاف من لم يأت بالمبادئ أصلا .
فإن قلت : كيف يتصوّر عدم الفرق بين من توجّه إلى مكّة من أقصى البلاد لإتيان المناسك ومن توجّه إليها من البلاد القريبة مع قلّة المشقّة في الثاني وكثرتها في الأوّل ؟
قلنا : لا شكّ في زيادة استحقاق المثوبة في الأوّل ، ولكنّها لا ترتبط بالمقدّمات ، بل هي لتحقّق عنوان آخر لذي المقدّمة ، وهو عنوان الأشقّيّة والأحمزيّة ، فهي ترتبط وتتعلّق بذي المقدّمة من باب أفضل الأعمال أشقّها .
هذا على المبنى المعروف عند الاصوليّين ، وأمّا على مبنى الجعل ، فالمسألة تابعة لجعل المولى في الواجبات النفسيّة والغيريّة ، بلا فرق بينهما من هذه الناحية .
وبالجملة ، أنّ موافقة الأمر الغيري بما هو أمر لا بما هو شروع في إطاعة الأمر النفسي لا يوجب قربا ، ولا توجب مخالفته بما هو كذلك بعدا ، والمثوبة والعقوبة إنّما تكونان من آثار القرب والبعد على المبنى المعروف .
ومن هنا استشكل أوّلا : بأنّه إذا كان الأمر الغيري بما هو لا إطاعة له ولا قرب في موافقته ولا مثوبة في امتثاله ، فكيف حال بعض المقدّمات - كالطهارات الثلاث - حيث لا شبهة في حصول الإطاعة والقرب والمثوبة بموافقة أمرها ؟ !
والجواب عنه على القول بالجعل سهل لا يحتاج إلى تكلّف ، وعلى القول
دراسات في الأصول — صفحة 108
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٠٨