وقال جماعة آخرون أخذا بظواهر الآيات والروايات : بأنّ الثواب والعقاب من مجعولات المولى كما هو ظاهر قوله تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها
« 1 » ، فالثواب عبارة عمّا التزمه المولى على نفسه من إعطاء مثوبة كذا لامتثال أمر كذا تفضّلا على العباد ، والعقاب عبارة عن جعله عقوبة كذا لمخالفة أمر كذا ، فالمسألة تابعة لجعله ، ويمكنه جعل المثوبة للواجبات الغيريّة ، مثل أكثر الواجبات النفسيّة ، كما مرّت الإشارة إلى الروايات الواردة في زيارة أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام ونحو ذلك ، ولا يلزم من جعل المثوبة لبعض الواجبات الغيريّة جعلها في جميعها ، كما أنّ الأمر في الواجبات النفسيّة أيضا كذلك .
والتحقيق : أنّ مع قطع النظر عن الجعل فالتعبير باستحقاق المثوبة ليس بصحيح أصلا بعد كون اللّه تعالى مالكا لوجود الإنسان بالملكيّة الحقيقيّة ، فإنّ المالكيّة تكون من شؤون خالقيّته وقيموميّته ، وبعد احتياج الإنسان إليه تعالى في حدوثه وبقائه فإنّه عين الفقر والربط ، والفقر المحض لا شيء له سوى الفقر والربط ، وبعد تفضّله وعنايته ومنحه النّعم العديدة الظاهريّة والباطنيّة للإنسان ؛ بحيث يقول تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ،
فكيف يحكم العقل باستحقاق المثوبة لامتثال الأوامر الإلهيّة التابعة للمصالح المتحقّقة في متعلّقها ، مع أنّ المصالح والفوائد أيضا تعود إلى العبد ؟ ! بل لا يصحّ مثل هذا التعبير في امتثال أوامر الموالي العرفيّة ، مع أنّ ملكيّتها للعبد ملكيّة اعتباريّة ، ومصالح المأمور به تعود كثيرا ما إلى المولى ، فضلا عن امتثال الأوامر الإلهيّة ، فلا يعقل القول باستحقاق المطيع المثوبة على اللّه تعالى
هامش
( 1 ) الأعراف : 160 . انعام