وان كان معلوم الوجه من حيث عموم هذا الخبر وملاحظة عنوان انه مشتبه قبل الفحص فالتقييد المذكور لأجل ما ذكر وفيه ايماء لطيف إلى تقسيم المحرمات إلى الأشد فالأشد وتنويع القبائح إلى الأقوى والأضعف ومع ذلك فينتظم الكلمات وينتسق الفقرات ثم العجب من هذا الموجه حيث عدل عن مقالته الأولى فقال في موضع من كتابه وحمل الحلال والحرام على المآكل والمشارب ونحوها خاصة وليس بذلك البعيد هذا لان التوجيه المتقدم لا يساويه الحمل على الشبهة الموضوعية وكيف لا فان هذا مستلزم لارتكاب خلاف الأصل من وجوه كثيرة واخراج الكلام عن الانتساق والانتظام فمرجوحية الحمل على الموضوعية لهذا الوجوه واما ما يتوهّم في المقام ان الحمل على الموضوعية مما لا يمكن بناء على تحقق ما يدفعه في الخبر جدّا وخروج الموضوعية عن حكم هذا الخبر ليس من قبيل التخصيص إذ هو فرع الدخول فالتعيين للحكمية بنفس الخبر وذلك أنه لم يكن الحلال البيّن ولا الحرام البيّن مما يوجد في الموضوعات وطرق الاحكام حتى يحمل الشبهات على شبهاتهما لأنه قد تحقق الاشتباه ووجد الاختلاط في النّوعين منها من زمان آدم ع إلى الآن بحيث لا يوجد الحلال البين ولا الحرام البيّن ولا يعلم أحدهما من الآخر الاعلام الغيوب فمما لا وقع له أصلا ولا مخر له جدّا لان المراد بالبين ما قامت عليه الأدلة الشرعية إذا لوحظ الاحكام أو العلامات والامارات المقررة من الشّرع إذا لوحظ الموضوعات وذلك كاليد والتصرف والحيازة والاحياء ونحو ذلك وهذا الحمل مما لا بدّ منه إذ الحمل على ما يطابق الواقع ويكون على طبق الأمور الواقعية والعلل النفس الامرية مما لا يصح ارادته بالنسبة إلى الاحكام أيضا فيما دل عليه الدليل القطعي من العقلي والنقلي من الاجماع والمتواتر المعنوي وليس الامر عند هذا المتوهم كل فان غير المشتبه بفقد النص أو بتعارض النصين ونحو ذلك من الحلال البيّن والحرام البين علما بالخصوص أو بالعموم على أن كون ما عليه الاجماع بالاجماع المحقق برهانيا أو حدسيّا أو لطفيا على طبق الواقع أول الكلام إذ الاجماع انما يكشف عن رضاء المعصوم ع وهو يجامع الحكم الواقعي على طبق الاتقاء والتقية أيضا اللهم إلّا ان يراد من الواقع أعم مما على طبق العلل النفس الامرية ثم انّ هذا مما يكفى في رد هذا المتوهم فلا حاجة إلى نقض ما قرره بمياه السماء والأودية وما يملك بالغوص والاصطياد والحيازة والاحياء ونحو ذلك على أن من الممكن تطرق الشبهة إليها أيضا كما لا يخفى تعقله وان حمل الخبر عليه بعد الغض عن المذكور يقل الجدوى ويستندر الفائدة إذ المراد من هذه الأمور الثلاثة ما يتمكن من ارتكابه أو اجتنابه المكلفون أو معظمهم فما ذكر ليس مما يحصل لهم على هذا النهج بل هو مما هو في غاية القلة هذا ويمكن ان يجاب أيضا عن هذا التوهّم بنهج آخر بان يقال إن الاشتباه في طريق الحكم على قسمين اشتباه كثير في كثير على نهج ما مر من قضية الاختلاط من حين آدم ع إلى الآن واشتباه زائد على هذا كما في اللحم المشترى من السّوق المتردّد بين ان يكون من المذكى أو الميتة أو المملوك أو المغصوب فالأول اى ما هو المنظور فيه الاشتباه الأولى الاجمالي من الحلال البيّن والثاني اى ما يزيد فيه الاشتباه ويمتاز بهذه الزيادة عن مشتركاته في الاشتباه والأولى الاجمالي المحض ليس من الحلال البيّن وان كان من الحلال المطلق ولعلّ هذا هو مراد من قال في دفع هذا التوهّم ان ما علم حاله من حيث ذاته المخصوصة لا من حيث هو مشتبه فهو من الحلال البيّن اى ان ما لا يمكن الاجتناب عنه من الحلال البين لا من الحلال المطلق ويكون ما يمكن الاجتناب عنه شبهة هذا ثم العجب من هذا المتوهّم وقد صار إلى ما قرره مع كونه من جهابذة الاخبارية وهم قد عدوا المشتبه « 1 » وهو لا يقر بتعقل الحلال البين فيه فضلا عن كون مشتبهه منه وهذا من الافراط والتفريط في منار ولهذا صار اغرب وأعجب هذا تمام الكلام بالنسبة إلى الجواب المقرر في خبر التثليث غاية ما في الباب ان القرينة على حمل خبر التثليث على التوجيه المقرر قد تحققت في نفسه بخلاف ساير الاخبار يكون قرينة حملها عليه ثم لا ضير
من حملها على الاستحباب بل إن سياق أكثرها ظاهر فيه فح يعم ما فيها الاحكام والموضوعات كما لا ضير في ان يقال إن النهى عن ارتكاب الشّبهة نهيا صريحا كما في بعض الأخبار أو التزاميّا كما في بعضها انما هو باعتبار بعض اقسام الشبهة بان تكون في الاعتقادات وأصول الديانات وامر الخلافة والإمامة ونحو ذلك ومن ذلك العمل بالأقيسة والاستحسانات والمصالح المرسلة والآراء ومن ذلك الشبهة في الاحكام قبل الفحص وهذا التوجيه في حديث ذمتي بما أقول رهينة الخ وحديث فيا عجبا الخ ونحو ذلك أحسن من ساير التوجيهات مما مر ومن أن حديث فيا عجبا الخ محمول على حرمة ارتكاب الشبهة منضما إلى كل ما ذكر فيه من عدم الاقتفاء بالنبي ص والاقتداء بالوصىّ ع أو بعضه وان كان حرمة بعض هذه الأمور على سبيل الاستقلال وبالجملة فان الشبهة اعمّ مما نحن فيه فيراد بها غير ما نحن فيه في جملة من هذه الأخبار بلا تصوف في النهى « 2 » أو الضمني ويكشف عن تلك الأعمية قول أمير المؤمنين ع وانما سمّيت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق ثم إن بعضا من الأخبار المذكورة ظاهر في الموضوعية وذلك كما في خبر عثمان بن حنيف وان كان ذلك مكابرة مع أنه قد خرج مخرج بيان الزهد والارشاد إلى طرق المجاهدات والرياضات ومكارم الأخلاق كما يشهد بذلك فقرات كثيرة منه واما النوع الثاني من الاخبار اى الأخبار الناهية عن العمل بغير علم فهي اخبار كثيرة منها صحيح بن الحجاج عن الصّادق عليه السّلام إياك وخصلتين ففيهما هلك من هلك
هامش
( 1 ) في طريق احكام في الحلال البين
( 2 ) الصّريح