تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الأصول — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
الحسية المتعاقبة في وجدان النفس . وأما القضية المحسوسة بمعنى حكم العقل بمطابقة الصورة المحسوسة للواقع فالمطابقة بمعنى وجود أصل واقع ما وراء عالم الحس هي قضية بديهية واضحة لدى العقل في مستوى سائر بديهياته ، وأما المطابقة التفصيلية بين المحسوس والواقع فهي وان كان قد يحصل الجزم بها كثيراً بمعناه الأصولي ، ولكنه ليس يقينياً بالمعنى المنطقي ، أي ليس مضمون الحقانية لا على أساس البداهة ولا على أساس الاكتساب المنطقي ؛ لأن الجزم بالمطابقة ليس بديهياً ، وإلا للزم وقوع الخطأ في البديهيات لكثرة وقوع الخطأ في أمثال ذلك الجزم ، كما أنه ليس مكتسباً اكتساباً منطقياً برهانياً من البديهي ، وهكذا نعرف ان المقدار المضمون الحقانية انما هو أصل الواقع الموضوعي لا القضايا المحسوسة بمعنى المطابقة للواقع . وأما القضايا التجريبية والحدسية التي تتفق في الجوهر وان اختلفت التجريبية عن الحدسية في وجود العمل من المجرب دون الحادس فهي جميعاً ليست مضمونة الحقانية ، وبالتالي ليست يقينية بحسب عرف كتاب البرهان ، فالانسان حين يستنتج ان شراب « السقمونيا » علة للاسهال بالتجربة كما يقولون ، لا بد له ان ينفي علية أي شيء آخر اتفق وجوده في تلك الحالات ، وبعد ذلك وعلى أساس مبدأ العلية الأولى مثلا يستنتج ان الشراب الخاص هو العلة لاستحالة وجود المعلول بدون العلة ، ولكن من اين له الجزم بنفي علية ما عدا الشراب ؟ ان طريقه إلى ذلك هو محاولة ملاحظة اثر الشراب في حال عدم وجود أي شيء تحتمل عليته ، ومن المعلوم أن الجزم بذلك على هذا الأساس ، والقطع بأنه لم يبقى شيء مما يحتمل عليته موجوداً حال الشراب ليس من البديهيات ، ولهذا قد يحصل الجزم ثم يظهر الخطأ بعد ذلك ، كما يتفق كثيراً في العلوم الطبيعية ، ولا هو نظري مكتسب بالبرهان من المبادئ الأولى إذ لا برهان من تلك المبادئ على ذلك . وسوف نعرف فيما بعد ان هذا الجزم ينتسب إلى نوع ثالث غير الأولي والمكتسب ، وهو على أي حال غير مضمون الحقانية لا على أساس البداهة لأنه ليس بديهياً ولا على أساس المنطق لأنه ليس مكتسباً بالبرهان .