لأنّا نقول : فرق واضح بين المقامين ؛ فإنّ الشكّ في مفاد الأمارات متعلّق ببقاء نفس الوجوب الذي قامت الأمارة عليه ؛ وهو حكم شرعي قابل للتعبّد بالبقاء ، وإنّما طرأ الشكّ عليه لاحتمال طروّ النسخ عليه أو فقدان شيء نحتمل شرطيته ، كالحضور في صلاة الجمعة .
وأمّا المقام فالشكّ لم يتعلّق بنفس الوجوب الذي أفتى به المفتي ، بل هو على تقدير وجوده من أوّل الأمر باقٍ قطعاً ، وإنّما الشكّ تعلّق بمقدار حجّية رأيه وفتواه .
وإن شئت قلت : تعلّق الشكّ بمقدار حجّية الأمارة وكاشفيته شرعاً عن الواقع ، وأنّها هل هو حجّة مطلقاً - حيّاً كان أو ميّتاً - أو يختصّ بحال حياته .
نعم ، لو كان الشكّ في الأمارات في مورد مثل الشكّ في مقدار حجّية فتوى المفتي منعنا الاستصحاب فيه أيضاً .
إن قلت : على القول بلزوم الجزم في النية في أجزاء العبادات وشرائطها يلزم القول بجعل المماثل في الأمارات - ومنها فتوى الفقيه - وإلّا يلزم إتيان كثير منها رجاءً ؛ لعدم قيام الدليل القطعي على جزئيتها وشرطيتها ، فلا مناص عن القول باستتباع الأمارات أحكاماً على طبق مؤدّياتها .
قلت - مضافاً إلى منع لزومه في العبادات وقد أوضحنا سبيله غير مرّة ، وقلنا :
إنّ المسألة عقلية ، لا مجال لدعوى الإجماع فيها « 1 » - إنّ الجزم حاصل من غير احتياج إلى القول باستتباع الأمارات أحكاماً مماثلًا لمؤدّياتها ؛ وذلك لأنّ احتمال الخلاف والخطأ مغفول عنه للعقلاء عند العمل بالأمارات الدارجة بينهم .
هامش
( 1 ) - تقدّم في الصفحة 421 .