وفيه : أنّ ملاك عمل العقلاء بآراء ذوي الفنون وأصحاب الصنائع ومن له شغل التقويم إنّما هو لكون الرأي بنحو الجزم بوجوده الحدوثي طريقاً إلى الواقع ، وصفة الطريقية ثابتة له ، كان صاحبه بعد إبراز رأيه حيّاً أو ميّتاً ؛ فإنّ مناط الحجّية وملاك الطريقية عندهم قائم بنفس الإخبار جزماً عن أمر واقعي .
فلو أفتى الفقيه بأنّه لا يصحّ الصلاة في وبر ما لا يؤكل لحمه فنفس هذا الفتوى - بما هو هو من غير دخالة أمر - كاشف عن الواقع ، طريق إليه ومنجّز له ، ولا ينسلخ هذه الأوصاف عنه أصلًا - لا بموته ولا بنومه - إلّا بنقضه وتبدّل رأيه والجزم على خلافه .
هذا حال السيرات العقلائية في العمل بالأمارات ، وقد عرفت : أنّ الدليل الوحيد في باب التقليد إنّما هو السيرة العقلائية « 1 » التي عرفت ملاك العمل بها « 2 » .
وأمّا الأدلّة الشرعية - فلو فرض وجودها - فهي غير خارجة عن حدودها ؛ فإذا كانت الحجّية والطريقية والتنجيز قائمة بنفس الرأي فقط فلو مات صاحبه وشكّ في دخالة الحياة في جواز العمل به شرعاً فلا مانع من استصحابه ؛ لبقاء الموضوع واتّحاد القضيتين المتيقّنة والمشكوكة .
فإنّ ما هو الموضوع أو ما هو المتيقّن إنّما هو رأي الفقيه وجزمه بالحكم وإظهاره طريق إلى الواقع بوجوده الحدوثي ، وهو المناط لجواز العمل به في نظر العقلاء ، وقد أمضاه الشرع أيضاً بهذا المناط ، لكن نشكّ في دخالة الحياة فيه شرعاً على وجه التعبّد ، فلا شكّ في جواز استصحابه ؛ لاتّحاد المتيقّن والمشكوك ، والشكّ
هامش
( 1 ) - تقدّم في الصفحة 609 .
( 2 ) - تقدّم في الصفحة 621 .