فاتركوني ممّا تركتكم ، وإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم إلى أنبيائهم . فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه » « 1 » .
وجه الظهور : أنّ إعراضه صلى الله عليه وآله وسلم عن الراوي لأجل أنّه إنّما سئل عمّا هو واضح لدى العقل ، وهو أنّه إذا أوجب المولى شيئاً يسقط أمره بالإتيان بأوّل مصداق منه ، ومع هذا لا مجال للإصرار .
ويوضحه
قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « ويحك ما يؤمنك أن أقول نعم ؟ واللَّه لو قلت نعم لوجب »
أي لوجب كلّ سنة ؛ فهو ظاهر في أنّ حكم العقل - أعني الاكتفاء بأوّل مصداق منه - محكّم ما لم يرد منه خلافه ، وأمّا مع الورود فيتّبع مقدار دلالة الدليل الوارد .
فحينئذٍ
قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » ،
بعد ما تقدّمه من السؤال والجواب ظاهر في إعطاء الضابطة الكلّية المطابقة لما يحكم به العقل من السقوط بالإتيان بأوّل مصداق من الطبيعة إلى أن يأتي بيان ينقضها .
وعلى هذا : يصير كلمة « ما » في
قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « ما استطعتم »
مصدرية زمانية ؛ أي إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه زمن استطاعتكم ، لا موصولة حتّى يجب كلّ فرد مستطاع ؛ لأنّه خلاف سياق الحديث على ما عرفت .
وبذلك يتّضح : عدم صحّة إرادة المركّب ؛ لأنّه إذا وجب علينا المركّب وجب علينا الإتيان بها بكلّ أجزائه لا بعض أجزائه ، فتأمّل .
هامش
( 1 ) - مجمع البيان 3 : 386 ، بحار الأنوار 22 : 31 ، صحيح مسلم 3 : 149 / 1337 ، سنن النسائي 5 : 110 .