الاستدلال بالسيرة العقلائية على حجّية قول الثقة
وقد عرفت أنّها العمدة في الباب ، بل لا دليل غيرها ، ويقف على وجودها كلّ من له إلمام بالمجتمعات البشرية منذ دوّن تأريخ البشر ، واستقرّ له التمدّن ، واتّخذ لنفسه مسلكاً اجتماعياً .
وما ورد من الآيات الناهية من العمل بغير العلم « 1 » أو العمل بالظنّ « 2 » ليست رادعة عن السيرة ؛ إذ لو كانت رادعة لمطلق العمل بالظنّ أو بغير العلم شملت نفسها ؛ لأنّها بمنزلة القضايا الحقيقية ، الثابت فيها الحكم لموضوعاتها المحقّقة كلّ في موطنها ، ومن العمل بالظنّ نفس التمسّك بهذه الآيات والأخذ بمفادها ؛ فيلزم من جواز التمسّك عدم جوازه .
وأمّا ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّ رادعية تلك الآيات تستلزم الدور المحال « 3 » فضعيف ، وقد مرّ وجهه عند البحث عن استدلال النافين بالآيات « 4 » .
لا يقال : إنّ المحال إنّما يلزم من شمولها لنفسها ، فيندفع بعدم شمولها لنفسها ، وحينئذٍ يصلح للرادعية عن مطلق العمل بالظنّ .
لأنّا نقول : لا شكّ أنّ هذه الآية إنّما نزلت لأجل الإفادة والاستفادة حتّى يأخذ الامّة بمضمونها ، كما لا شكّ في أنّ العمل بظاهرها ليس إلّا عملًا بالظنّ
هامش
( 1 ) - الإسراء ( 17 ) : 36 .
( 2 ) - يونس ( 10 ) : 36 ، النجم ( 53 ) : 28 .
( 3 ) - كفاية الأصول : 348 .
( 4 ) - تقدّم في الصفحة 433 .