ولا شكّ أنّ الاستصحاب فيه جهة كشف عن الواقع ، فإنّ اليقين بالحالة السابقة له جهة كشف عن البقاء . وإلى ذلك يرجع ما يقال : ما ثبت يدوم ، وهو في الآن اللاحق ليس كالشكّ المحض غير القابل للأمارية .
كما أنّ الجهة الثانية أيضاً موجودة ، فإنّ بناء العقلاء ليس على كون الاستصحاب كاشفاً عن متعلّقه ؛ وإن ادّعي أنّه لأجل كون شيء له حالة مقطوعة في السابق « 1 » إلّا أنّه مجرّد ادّعاء . بل من القريب جدّاً أن يكون ذلك بواسطة احتفافه بأُمور اخر ممّا توجب الاطمئنان والوثوق ، لا لمجرّد القطع بالحالة السابقة .
وبالجملة : لم يعلم أنّ عمل العقلاء بالاستصحاب في معاملاتهم وسياساتهم لأجل كونه ذات كشف عن الواقع ؛ كشفاً ضعيفاً بلا ملاحظة قرائن محفوفة توجب الوثوق حتّى يكون أمارة عقلائية كخبر الثقة ، ويكون ذاك مانعاً عن تعلّق الجعل الشرعي .
وأمّا الجهة الثالثة : فلو ثبت تلك الجهة لانسلك الاستصحاب في عداد الأمارات الشرعية مقابل الأمارات العقلائية ، ويمكن استظهاره من الكبريات الموجودة في الاستصحاب . فترى أنّ العناية فيها بإبقاء اليقين وأنّه في عالم التشريع والتعبّد موجود ، وأنّه لا ينبغي أن ينقض بالشكّ .
والحاصل : أنّ الروايات تعطي بظاهرها أنّ الغرض إطالة عمر اليقين السابق ، وإعطاء صفة اليقين على كلّ من كان على يقين ، كما ينادي به قوله عليه السلام في مضمرة زرارة :
« وإلّا فإنّه على يقين من وضوئه ، ولا ينقض اليقين بالشكّ أبداً » « 2 »
هامش
( 1 ) - فوائد الأصول ( تقريرات المحقّق النائيني ) الكاظمي 4 : 331 - 332 .
( 2 ) - تهذيب الأحكام 1 : 8 / 11 ، وسائل الشيعة 1 : 245 ، كتاب الطهارة ، أبواب نواقض الوضوء ، الباب 1 ، الحديث 1 .