وأمّا التخلّص عن هذا الإشكال بالتمسّك بالقضية الحقيقية فضعيف جدّاً ؛ لأنّ الحكم في القضية الحقيقية على عنوان للأفراد قابل للصدق على كلّ مصداق موجود فعلًا أو ما يوجد في القابل ، ومثل ذلك لا يتصوّر في الخطاب ؛ إذ لا يمكن أن يتعلّق الخطاب بعنوان أو أفراد له ؛ ولو لم تكن حاضرة في مجلس التخاطب .
والخطاب نحو توجّه تكويني نحو المخاطب لغرض التفهيم ، ومثل ذلك يتوقّف على حاضر ملتفت ، والمعدوم والغائب ليسا حاضرين ولا ملتفتين .
وبالجملة : ما سلكناه من التمسّك بالقضية الحقيقية في غير الخطابات لا يجري فيها ؛ إذ الخطاب الحقيقي يستلزم وجوداً للمخاطب ووجوداً واقعياً للمخاطب . والقول بأنّ الخطاب متوجّه إلى العنوان كجعل الحكم عليه مغالطة محضة ؛ لأنّ تصوّر الخطاب بالحمل الشائع يأبى عن التفوّه بذلك .
ولو اشتهى أحد إصلاح هذا القسم من هذا الطريق أيضاً فلا بدّ أن يتمسّك في إثبات شمول الخطاب للمعدوم والغائب بأنّ المعدوم نزّل منزلة الموجود ، أو غير الشاعر منزلة الشاعر الملتفت ، كما هو المشهور في مخاطبة الجمادات ، كما في الشعر :
أيا شجر الخابور مالك مورقاً * كأنّك لم تجزع على ابن طريف
وفي قول القائل :
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي * بصبح ، وما الإصباح منك بأمثل
مع أنّك قد عرفت : أنّ هذا التنزيل ليس لازم القضية الحقيقية « 1 » ؛ وإن زعمه بعض الأعاظم « 2 » . فلا وجه لارتكاب التكلّف والتعسّف بالتمسّك بالقضية الحقيقية ،
هامش
( 1 ) - تقدّم في الصفحة 222 .
( 2 ) - فوائد الأصول ( تقريرات المحقّق النائيني ) الكاظمي 1 : 550 .