وتوضيحه : أنّك إذا تدبّرت في المحاورات العقلائية والخطابات الدائرة بينهم تجد أنّ ديدنهم في المحاورات الشخصية بين الموالي والعبيد وغيرهم من آحاد الناس تختلف مع وضع القوانين وتشريع الشرائع من عند أنفسهم ، فتجدهم يعملون بالعمومات والمطلقات الصادرة منهم في محيط المحاورات ، بلا ترقّب منهم لمخصّصها ومقيّدها ، ولا انتظار لمخالفها ، بل يأخذون بالظاهر ؛ عامّاً كان أو مطلقاً أو غيره .
والسرّ في ذلك : هو جريان العادة في تلك الخطابات بذكر مخصّصها بعد عمومها ومقيّدها عقيب مطلقها ، بلا تفكيك منهم بينهما ؛ بحيث لو لم يجدوها في متّصل كلامه لاحتجّوا بظواهرها وعمومها ومطلقها .
ولكن تجد ديدنهم في وضع القوانين - مدنياً كانت أو عالمياً - على خلاف ذلك ، فتراهم واقفين أمام كلّ عامّ ومطلق ، باذلين جهدهم في التفتيش عمّا يصرفهما عن ظاهرهما .
والسرّ هنا : هو قضاء العادة خلاف ما كان يجري في المحاورات الشخصية ، بل ديدنهم جرى في وضع القوانين على التفكيك بين العامّ ومخصّصه والمطلق ومقيّده .
فتراهم يذكرون العمومات والمطلقات في فصل ومادّة ، ومخصّصاتها ومقيّداتها وحدودها تدريجاً ونجوماً في فصول اخر ، وربّما يذكر الخصوص في كتاب وعمومه في كتاب آخر ، وقد يتقدّم الخاصّ على العامّ ، إلى غير ذلك من رسومهم وعاداتهم التي يقف عليها المتضلّع في الحقوق . هذا ديدن العقلاء .
وأمّا الشارع الصادع بالحقّ : فلم يسلك غير ما سلكه العقلاء في وضع
تهذيب الأصول تقرير أبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني — صفحة 211
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢١١