فهو حقّ لكن ذلك لا يستلزم ما يبتغيه ؛ إذ لا بدّ أن يكون الحكم في طرف المفهوم كذلك - أي أن ينفي الحكم عن العنوان المشير إلى العناوين الواقعية - فمفهوم قولنا إذا جاءك زيد أكرم كلّ عالم هو أنّه إذا لم يجئك لا يجب إكرام كلّ عالم ، ولا إشكال في إفادته قضية جزئية .
وبعبارة أوضح : أنّ كون لفظ « شيء » مرآة للعناوين لا يستلزم أن يكون العناوين موضوعاً للحكم في لسان الدليل ، بل الموضوع هو لفظ شيء ؛ وإن كان مرآة للعناوين .
وعليه : فمدار أخذ المفهوم هو رفع الحكم عمّا جعل موضوعاً في لسان الدليل ، كما أنّ الحكم ثابت عليه ظاهراً ، وحينئذٍ يكون مفهوم قولنا « لا ينجّسه شيء » هو « ينجّسه شيء » ، ولا يضرّ كونه مرآة لما هو موضوع ، فتدبّر .
على أنّ فهم العرف أقوى شاهد .
أضف إلى ذلك : أنّه لو سلّمنا كونه مرآة بالمعنى المتقدّم ، وأنّ العناوين بكثرتها التفصيلية وقعت موضوعاً للحكم ، إلّا أنّه لا يستفاد من القضية إلّا الجزئية ؛ لأنّ المفهوم ليس إلّا رفع سنخ الحكم المذكور عن الموضوع ، لا إثبات حكم مقامه . ومفهوم قولنا « لا ينجّسه » هو « ليس لا ينجّسه » والقول بأنّ مفهوم ما ذكر هو « ينجّسه » مسامحة نشأت من وضع لازم المفهوم مكانه .
وحينئذٍ : فمفهوم قوله « إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه البول والدم والكلب » هو أنّه « إذا لم يبلغ قدر كرّ ليس لا ينجّسه البول والدم والكلب » ، وهو لا ينافي تنجيس بعضها ؛ إذ المفهوم هو سلب السالبة الكلّية ، وهو يتحقّق تارة بالإيجاب الجزئي وأخرى بالإيجاب الكلّي .
ولو سلّم أنّ العرف في مثل القضية لا ينتقل إلى سلب السلب بل ينتقل إلى
تهذيب الأصول تقرير أبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني — صفحة 136
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٣٦