الغائب تحتاج إلى كونه معهوداً أو مذكوراً من قبل حتّى يمكن الإشارة إليه . وعلى هذا فيندرج تلك الألفاظ برمّتها في باب الحروف ، وتنسلك في عداد مفاهيمها ؛ من حيث عدم الاستقلال مفهوماً ووجوداً .
والدليل عليه - مضافاً إلى أنّ العرف ببابك - أنّك لا تجد فرقاً في إحضار الموضوع بين الإشارة إليه بالإصبع وبين ذكر اسم الإشارة المناسب ، بل ربّما يقوم أحدهما مقام الآخر عند عدم التمكّن منه ، كما في إشارة الأخرس .
فترى أنّ الجميع - بميزان واحد - آلة لإيجاد الإشارة ، من غير فرق بينها .
غاية الأمر : أنّه يترتّب عليه إحضار المشار إليه في الذهن قهراً ، من دون أن يكون الوضع منحدراً عليه . وقد أشار إلى ما ذكرنا بعض الأجلّة ، دام ظلّه « 1 » .
وصحّة التركيب ووقوعها مخبراً عنها في قولنا « هذا قائم » و « هو قائم » وأشباههما لا تثبت ما راموه ؛ إذ لا نسلّم أنّ المخبر عنه في هذه الموارد هو مفاد هذه الكلمات ، بل المشار بها إليه .
فترى الفرق بين قولنا « زيد قائم » وبين « هذا قائم » أو « هو قائم » ، فلفظة زيد في الأوّل تحكي عن المحكوم عليه ؛ حكاية اللفظ عن معناه الموضوع له ، بخلافهما ؛ فإنّهما يحضران المحكوم عليه في ذهن السامع ، كما في الإشارة بالإصبع ، من غير أن يكونا موضوعين له ، ومن دون أن يكون دلالتهما عليه من قبيل حكاية اللفظ عن معناه .
نعم ، يفترق الثاني عن الثالث بالإشارة إلى الحاضر والإيماء إلى الغائب ، ولعلّه إلى ما ذكرنا ينظر قول ابن مالك في « ألفيته » :
هامش
( 1 ) - نهاية الأصول : 25 - 26 .