وكون ما مع المتأخّر رتبة متأخّراً رتبة ممنوع أيضاً ؛ لأنّ قياس المساواة لو صحّ فإنّما هو في المسائل الهندسية ، لا في الأحكام العقلية التي تدور مدار وجود المناط ، وقد عرفت أنّ مناط التأخّر الرتبي هو ما قدّمناه ، ومع فقدانه لا وجه للتأخّر ، وقياس التأخّر الرتبي الذي يدركه العقل لأجل بعض المناطات بالتأخّر الزماني قياس مع الفارق .
نعم ، العصيان يتأخّر عن الأمر زماناً على مسامحة ، وهو غير التأخّر الرتبي .
وبالجملة : أنّ العصيان عبارة عن ترك المأمور به بلا عذر ، وهو معنى عدمي لا يمكن أن يتّصف بحيثية وجودية مطلقاً ، وقد تكرّر منّا أنّ القضايا الصادقة التي موضوعاتها أمور عدمية لا بدّ وأن تكون من السالبة المحصّلة أو ترجع إليها ، والموجبات مطلقاً لا تصدق في الأعدام إلّا بتأوّل ، كما في بعض القضايا غير المعتبرة ، كقولنا « العدم عدم » ، فالعصيان بما أنّه أمر عدمي لا يمكن أن يتأخّر عن شيء أو يتقدّم على شيء ، ولا يكون موضوعاً لحكم ولا شرطاً لشيء أو مانعاً .
وبذلك يظهر : أنّ أخذ أمر عدمي لا يؤثّر ولا يتأثّر ولا يوجب مصلحة ولا مفسدة في الموضوع لا يجتمع مع ما عليه العدلية من كون الأحكام تابعاً لمصالح أو مفاسد يقتضيها موضوعاتها ، والعدم لا اقتضاء فيه ، إلّا أن يرجع إلى مانعية الوجود ، وهو غير مجدٍ أصلًا في المقام .
لا يقال : قولك لا يكون العصيان شرطاً لحكم ولا موضوعاً مصادرة جدّاً ؛ ضرورة أنّا نرى حكم العقل بوجوب الطاعة وقبح المعصية ، فكيف حكم على أمر باطل بالقبح والحرمة ؟ مع أنّه يمكن أن يقال : إنّ العصيان ليس أمراً عدمياً ؛ وإن كان الأمر العدمي منطبقاً عليه ، إلّا أنّ العصيان له حيثية ثبوتية يعبّر عنه بالطغيان تارة ، والتورّط في الحمى أخرى ، وعدم الاعتناء بأوامر المولى ثالثة .
تهذيب الأصول تقرير أبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني — صفحة 466
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٦٦