والكلام هنا : إمّا في حكم العقل مع قطع النظر عن مقتضى الأخبار الدالّة على وجوب الفحص والحثّ في طلب العلم ، وإمّا في مقتضى الأخبار :
المقام الأوّل : في مقتضى حكم العقل
قد تقدّم : أنّ المراد بالبيان المأخوذ عدمه في موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، هو البيان الواصل بالنحو المتعارف ؛ بأن يكون الحكم مضبوطاً في كتب الأخبار ، فلو لم يتفحّص ما في تلك الكتب من الأخبار المظنّة لوجود الحكم الشرعي فيها ، مع حكم العقل بوجوب الفحص .
فالحقّ أنّه يستحقّ العقاب على مخالفة الواقع لو اتّفقت ، لا على نفس ترك الفحص المؤدّي إليها أو مطلقاً ؛ وذلك لأنّ وجوب الفحص ليس من المستقلّات العقليّة ، نظير حكمه بقبح الظلم ؛ بأن يترتّب على نفس الفحص مصلحة ملزمة سوى الوصول إلى الواقع ؛ ليكون ترك الفحص من المحرّمات العقليّة وظلماً على المولى ، فإنّه لا معنى لظلم العبد على مولاه في المقام ، بل حكم العقل بلزوم الفحص إنّما هو لئلّا يقع في مخالفة الواقع وعقوبتها ، فالمناط في وجوب الفحص عقلًا هو الاحتراز عن مخالفة الواقع ، وأنّه لا بدّ في ارتكاب المشتبه من وجود المُؤمِّن من العقوبة ، ومع احتمال وجود البيان في الكتاب المجيد والسُّنّة قبل الفحص لا مؤمّن منها ، فلو ارتكبه قبل الفحص ، وصادف مخالفة الواقع ، استحقّ العقاب على مخالفة الواقع ، فالموضوع لاستحقاق العقاب هو مخالفة الواقع ، مع عدم المُؤمِّن منه .
نعم يرد الإشكال في بعض الصور المتصوّرة في المقام ، فإنّ المكلّف قد يكون بحيث لو تفحّص لانتهى إلى الظفر على أمارة معتبرة ويعثر عليها دالّة على حرمة شيء - مثلًا - مع موافقة تلك الأمارة للواقع ، وقد يكون بحيث لو تفحّص عثر على أمارة دالة على الحلّيّة المخالفة للواقع ، وفرض أنّ الحكم الواقعي هي الحرمة ،