ونقول توضيحاً للإشكال : إنّ الإطاعة غير معقولة حتّى في صورة العلم التفصيلي بالتكليف ؛ لأنّ المكلّف لا ينبعث عن الأمر الواقعي بالذات للمولى أصلًا ، بل ينبعث دائماً عن الصورة الذهنيّة للأمر المعلومة بالذات ؛ لأنّها هي التي ينالها المكلّف ، لا الأمر الواقعي الذي هو معلوم بالعرض ، مع أنّه تتوقّف الإطاعة على أن يكون الانبعاث عن بعث المولى .
والدليل على أنّ الانبعاث إنّما هو عن الصورة الذهنيّة للبعث : هو أنّه لو اعتقد اثنان على أنّ المولى أمرهما بشيء ، وكان اعتقاد أحدهما موافقاً للواقع ، والآخر مخالفاً له ، فأتى كلّ واحدٍ منهما بما اعتقده ، فإنّه لا فرق بينهما في أنّ كلّ واحدٍ منهما منبعث عن باعث ، وليس الباعثُ لهما الأمرَ الواقعي ؛ لعدم الأمر الواقعي في أحدهما ، بل الباعث هي الصورة الذهنيّة للأمر ، فلو كان الواقع دخيلًا في الانبعاث ولو بنحو جزء الموضوع والسبب ، لزم الانبعاث في أحدهما بلا سبب وباعث ، وهو محال ، وكذا لو اعتقد أحدٌ وجود حيّةٍ أو أسد ، والآخر عدمه ، فهرب الأوّل دون الثاني ، وفرض أنّ الواقع عكس ذلك ، فهذا أقوى شاهد على أنّ الانبعاث والانزجار إنّما هما عن الصورة العلميّة لا الواقع .
وإن شئت قلت ذلك بنحو البرهان : إنّ كلّ إطاعة عبارة عن الانبعاث عن بعث المولى ، ولا شيء من الانبعاث عن بعث المولى بممكن ، ينتج لا شيء من الإطاعة بممكن .
هذا في صورة العلم التفصيلي بالمأمور به .
وأمّا في صورة الشكّ والاحتمال فلا ريب في أنّ الانبعاث إنّما هو عن احتمال الأمر الواقعيّ ، لا الواقع المحتمل ؛ لأنّه على الثاني لا بدّ أن يكون المؤثّر في الانبعاث هو الأمر ، والمفروض أنّ وجوده وعدمه عنده على السواء ، فلا بدّ أن يكون انبعاثه عن احتمال الأمر ، وحينئذٍ فلا يعدّ ذلك إطاعة ؛ لما عرفت من توقّفها على
تنقيح الأصول تقرير أبحاث السيد روح الله الموسوي الخميني — صفحة 559
مساهمون: الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي
ص٥٥٩