فُرض الشكّ في أنّ الأمر متعلّق بغسل جميع البدن أو بعضه ، فهو شكّ في متعلَّق الأمر - أي المأمور به - وهو خارج عن البحث والكلام في المقام .
ومن هنا يظهر وجه الإشكال فيما ذكره المحقّق العراقي قدس سره - من التفصيل بين الحقيقة ذات المراتب وبين غيرها ؛ بجريان البراءة في الأولى دون الثاني « 1 » - حيث إنّك قد عرفت عدم الفرق بينهما فيما هو محطّ البحث والكلام ، فإنّ ملاك البحث ما عرفت ، ولا دَخْل للدفعيّة والتدريجيّة في الوجود في ملاكه ، فلو علم بتعلّق الأمر بمرتبة معلومة من حقيقةٍ ذات مراتب متدرّجة الوجود ، كالطهارة - لو قلنا بأنّها تدريجيّة الوجود - تحصل بغسل كلّ عضوٍ مرتبة منها ، وشكّ في محصّلها بين الأقلّ والأكثر ، مثل مجرّد غسل البدن أو مع قصد الوجه ، فهو محلّ البحث .
وإذا فرض تردّد الأمر بين تعلّق الوجوب بغسل جميع البدن أو بعضه ، فهو خارج عن محلّ الكلام ، كما عرفت .
فما ذكره ليس تفصيلًا في المسألة ، بل هو تفصيل بين الأقلّ والأكثر في الأسباب وبين غيرها .
إذا عرفت محطّ البحث في المقام فمقتضى القاعدة هو الاشتغال وعدم جريان البراءة العقلية والشرعية مطلقاً في جميع الأقسام ؛ لقيام الدليل والحجّة على وجوب إيجاد هذا العنوان المسبّب المعلوم - كما هو المفروض - وتعلّق الأمر به ، وإنّما الشكّ في تحقّقه وحصوله بالأقلّ ، فالمسبّب ليس مجرى البراءة ؛ لعدم الشكّ في وجوبه ومفهومه ، وإنّما الشكّ في محصّله وحصوله بالأقلّ ، والقاعدة فيه تقتضي الاشتغال ؛ للشكّ في الامتثال بالإتيان بالأقلّ ، ومع قيام الحجّة على وجوب المسبّب ، فالعقاب عليه ليس بلا بيان لو اقتصر على الأقلّ ، وكان حصوله في الواقع متوقّفاً على الأكثر ، وليست الأسباب مورد الحجّة والبيان ؛ كي يقال : إنّه مع الشكّ في الأكثر فالعقاب
هامش
( 1 ) - نهاية الأفكار 3 : 401 - 402 .