أحدهما دون الآخر ؛ لأنّ القدر المتيقّن من المُخْرَج هو ذلك ؟
ومن الثاني : ما لو تزاحم واجبان في مقام الامتثال ؛ لعدم القدرة على الجمع بينهما ، فإنّ التخيير بينهما إنّما هو لأجل اقتضاء أنّ المجعول في باب التكاليف معنىً يقتضي التخيير في امتثال أحد المتزاحمين ، فإنّ العقل يستقلّ حينئذٍ بصرف القدرة في أحدهما تخييراً : إمّا لأجل تقييد التكليف في كلّ واحدٍ منهما بحال عدم امتثال الآخر ، وإمّا لأجل سقوط التكليفين معاً ، واستكشاف العقل حكماً تخييريّاً ؛ لوجود الملاك التامّ في كلّ واحد منهما .
وعلى أيّ حال فالتخيير في هذا الباب لم ينشأ من ناحية الدليل ، بل من ناحية المدلول .
إذا عرفت ذلك نقول : إنّ القول بالتخيير - في باب تعارض الأصول - ممّا لا شاهد عليه ؛ لا من ناحية الدليل والكاشف ، ولا من ناحية المدلول والمنكشف :
أمّا الأوّل : فواضح ، فإنّ دليل اعتبار كلّ أصل من الأصول العمليّة إنّما يقتضي جريانه عيناً ؛ سواء عارضه أصل آخر ، أم لا ، وليس في الأدلّة ما يوجب التخيير في إجراء أحد الأصلين .
وأمّا الثاني : فلأنّ المجعول في باب الأصول العمليّة ليس إلّا الحكم بتطبيق العمل على مؤدّى الأصل : إمّا بقيد أنّه الواقع ، كما في التنزيليّة منها ، وإمّا لا بقيد ذلك ، كما في غير التنزيليّة منها ، مع انحفاظ الحكم الظاهري باجتماع القيود الثلاثة - أي : الجهل بالواقع ، وإمكان الحكم على المؤدّى بأنّه الواقع ، وعدم لزوم المخالفة العمليّة - وحيث إنّه يلزم من جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي مخالفة عمليّة ، فلا يمكن جعلهما معاً ، ولا دليل على التخيير في إجراء أحدهما ؛ لا من ناحية الدليل ، ولا من ناحية المدلول « 1 » . انتهى .
هامش
( 1 ) - فوائد الأصول 4 : 28 - 31 .