والحاصل : أنّ الارتكاب في واقعة والترك في الأخرى ، لا يوجب المخالفة القطعيّة بالنسبة إلى العلم الإجمالي الأوّل ؛ حيث إنّ كلّ واقعة يدور الأمر فيها بين الوجوب والحرمة ، مستقلّة عن الأخرى ، ولكنّه يوجب المخالفة القطعيّة بالنسبة إلى أحد العلمين الآخرين ، لكن المخالفة القطعيّة في إحدى الواقعتين مستلزمة للموافقة القطعيّة في الأخرى .
وحينئذٍ فهل التخيير فيها ابتدائيّ ؛ بمعنى أنّه يجب على المكلّف اختيار ما اختاره أوّلًا وفي الابتداء من الفعل أو الترك في جميع الوقائع المتأخّرة التي بعدها ، أو أنّ التخيير استمراريّ ، فله اختيار الفعل في واقعة وتركه في أخرى ؟
قد يقال بالأوّل ؛ لعدم حصول العلم بالمخالفة حينئذٍ .
ولكن الحقّ أنّه استمراريّ ، فله اختيار الفعل في واقعة والترك في أخرى ، فإنّه وإن استلزم المخالفة القطعيّة ، لكن قد عرفت أنّها في العلمين الأخيرين مستلزمة للموافقة القطعيّة في إحداهما ، ولا فرق عقلًا بين احتمال الموافقة والمخالفة ، وبين حصول الموافقة القطعيّة والمخالفة القطعيّة كلتيهما .
نعم بناءً على ما قيل : من أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة « 1 » ، يتعيّن القول الأوّل ؛ وأنّ التخيير ابتدائيّ . لكنّه ممنوع ؛ فإنّه كثيراً ما يكون جلب المنفعة أولى من دفع المفسدة .
وقال الميرزا النائيني في وجه كون التخيير استمرارياً لا ابتدائياً ما حاصله :
أنّه لم يتعلّق تكليف شرعي مولويّ بالمخالفة القطعيّة ، بل قبحها كحسن الموافقة والطاعة من المستقلّات العقليّة التي لا تستتبع خطاباً مولويّاً ، وحكم العقل بقبح المخالفة القطعيّة فرع تنجُّز التكليف ، وإلّا فنفس المخالفة بما هي مخالفة لا يحكم العقل بقبحها ما لم يتنجّز الحكم ، والحكم فيما نحن فيه ليس منجّزاً في كلّ واقعة ؛
هامش
( 1 ) - الوافية ، الفاضل التوني : 97 ، فرائد الأصول : 239 سطر 3 .