في الأخذ بالإطلاق رفع اليد عن احتياج النهي إلى الجواب ، وأنّ المطلق ترخيص في الفعل ، ولا ترجيح في البين ، فيقع الإجمال .
غاية ما يمكن أن يقال في بيان حمل المطلق على المقيّد : هو أنّ بناء الشارع المقنِّن - المستفاد من ملاحظة جميع أبواب الفقه - هو ذكرُ المقيِّدات منفصلًا عن المطلقات ، وإرادةُ المقيّد من المطلقات ، فيحصل هنا ظنٌّ نوعيّ بحمل المطلق على المقيّد ، لا حمل النهي على الكراهة مع حفظ إطلاق المطلق .
وهنا وجه ثالث : وهو أنّ ذلك مبنيٌّ على شمول النزاع في اجتماع الأمر والنهي للمطلق والمقيّد والقول بجواز الاجتماع وعدم الشمول .
فإن قلنا بالشمول وجواز الاجتماع فيحفظ كلٌّ من الإطلاق والنهي على ظاهرهما ، ولا يُتصرّف في واحد منهما ، فمورد الاجتماع هو مجمع العنوانين ، فباعتبار أحدهما يكون فاعله مطيعاً ، وباعتبار الآخر عاصياً ، وإن لم نقل بشمول النزاع لهما أو قلنا بعدم جواز الاجتماع ، فلا محيص عن التصرُّف في أحدهما ، ويقع الإجمال « 1 » .
وفيه : أنّا قد أشرنا آنفاً إلى أنّ مسألة جواز الاجتماع وعدمه مسألة عقليّة ، لا ارتباط لها بمسألة تعارض الدليلين - كما في المقام - والجمع بينهما ، فإنّ المرجع فيها هو العرف ونظر العقلاء ، فلا بدّ من عرض المطلق والمقيّد على العرف ، فإن أمكن الجمع بينهما عرفاً بحمل المطلق على المقيّد أو بالعكس فهو ، وإلّا فلا بدّ من التعامل معهما معاملة المتعارضين ، وحينئذٍ فلا وجه للاحتمال الثالث ، بل يدور الأمر فيهما بين الاحتمالين الأوّلين .
والإنصاف : أنّ الإطلاق ليس قرينة عرفاً على التصرُّف في هيئة النهي ، بل الأمر بالعكس ، كما في العامّ والخاصّ المطلقين ، ولعلّ السرّ في ذلك : عدم توجُّه العرف إلى المعنى الحرفيّ - أي هيئة النهي - كي يتصرّف فيه إلّا نادراً ، ولا فرق في هذه
هامش
( 1 ) - انظر ما قرّره في مطارح الأنظار : 223 سطر 8 .