وأمّا الإشكال في الفرض الأوّل - أي الخطاب المشتمل على أحرف النداء - فلا يمكن الجواب عنه بالقضيّة الحقيقيّة لكن أجاب عنه الشيخ قدس سره بأنّه يمكن خطاب المعدوم بعد تنزيله منزلة الموجود « 1 » ، كما وقع نظيره في الأشعار العربيّة .
قلت : ما ذكره قدس سره وإن أمكن في نفسه وفي حدّ ذاته ، لكن لا دليل على أنّ خطابات القرآن المجيد كذلك ، والممكن الواقع - وما دلّ عليه الدليل أيضاً - أن يقال :
إنّ الخطابات القرآنيّة الصادرة من اللَّه تعالى ، ليست خطابات لفظيّة مخاطباً بها الناس كقوله تعالى - مثلًا - :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا . . . » *
« 2 » ؛ لعدم إمكان ذلك ؛ لعدم لياقة الناس لأن يكلّمهم اللَّه تعالى بلا واسطة ، إلّا أنبياء اللَّه عليهم السلام الذين بلغوا في الكمالات ما بلغوا ، حتّى صاروا لائقين بأن يخاطبهم اللَّه ويكلّمهم ، وإلّا فيستحيل أن يُكلّمهم اللَّه مع عدم لياقتهم لذلك ، حتّى الحاضرين في مجلس الخطاب ، بل لم يثبت وجود مجلس خطاب عند صدور الحكم ونزول الوحي ، وقد عرفت أنّ أحرف النداء موضوعة لإيجاده ، لا للنداء الحقيقي ، كما في « الكفاية » « 3 » ، وهو جزئيّ حقيقيّ يوجد في آنٍ ، ثمّ ينعدم وينقطع في الآن الثاني ، ولا بقاء له ، فلا يمكن نداء المعدوم وخطابه ، بل الخطابات القرآنيّة الإلهيّة خطابات قانونيّة كتبيّة ، كما هو دأب جميع العقلاء وديدنهم من الموالي العرفيّة ؛ حيث إنّهم في مقام جعل القوانين يكتبون ذلك ولو بنحو النداء والخطاب ، ثمّ يأمرون المُبلِّغين بنشرها وتبليغها بين الناس ، فمن اطّلع عليها يعلم بأنّه مكلّف ومخاطب بها لا بالخطاب الشخصي ، فكذلك الخطابات القرآنيّة خطابات كتبيّة ، نزل بها جبرئيل على قلب سيِّد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم فإنّه مخاطب بتبليغ مثل
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » *
ونحوه إلى الناس ، ولم يكن صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً واسطة فيه ؛ بأن
هامش
( 1 ) - مطارح الأنظار : 204 سطر 32 .
( 2 ) - النساء : 1 .
( 3 ) - كفاية الأصول : 268 .