إنّ لوازم الطبيعة وإن كانت لازمة لها مع قطع النظر عن الوجودين ، لكن قبل تحقُّقها بأحد الوجودين لا يصدق عليها نفسها حتّى يثبت لها لوازمها .
وممّا يدلّ على ما ذكرنا - من أنّ الحكم في الحقيقيّة متعلِّق بالعنوان ؛ أي عنوان الأفراد بدون قيد الوجود والعدم - : أنّه يصحّ تقسيمها إلى الموجودة والمعدومة ، فلو كان مقيّداً بأحدهما لما صحّ التقسيم المذكور .
وبالجملة : لا يتعلّق الحكم في الحقيقيّة بنفس الطبيعة من حيث هي ، ولا بأشخاص الأفراد وخصوصيّاتها ، بل هو متعلِّق بعنوان « أفراد العلماء » مثلًا ، وهو المراد بقولهم : إنّها برزخ بين الطبيعيّة والشخصيّة .
إذا عرفت هذا فنقول : حاصل الإشكال في عموم الخطابات الشفاهيّة للمعدومين أمران :
أحدهما : في مثل :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » *
« 1 » ونحوه ممّا يشتمل على حرف النداء ، وهو أنّه لو كانت الخطابات للأعمّ يلزم خطاب المعدوم حال عدمه وهو محال .
الثاني : في ما لا يشتمل على أدوات النداء ، مثل :
« لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ »
ونحوه ممّا لا يتضمّن نداءً ولا خطاباً ، وهو أنّه يلزم تكليف المعدومين فعلًا وبعثهم وزجرهم لو عمّهم ، وهو محال ؛ لأنّ المعدوم غير قابل لشيء من ذلك .
أقول : والجواب عن الإشكال في الفرض الثاني : هو أنّ الحكم في مثله إنّما هو بنحو القضيّة الحقيقيّة ، وهي ما اخذ الموضوع فيها - وهو عنوان المستطيع مثلًا - بنحو الإرسال ؛ بدون التقييد بالوجود والعدم ، فكلّما صدق عليه عنوانه يتعلّق به الحكم ، فالمعدوم ليس له حكم ، فإنّ الحكم إنّما هو للمستطيع ، ولا يصدق هو على أحد إلّا بعد وجوده ، فإذا وجد ، وصدق عليه عنوان المستطيع يحكم عليه بوجوب الحجّ ، ولا فرق في ذلك بين الموجود في زمن صدور الحكم وبين المعدوم .
هامش
( 1 ) - البقرة : 153 و 183 .