وأمّا على الأوّل : فمبغوضيّة السببيّة المجعولة مع تأثيرها في إيجاد النقل والانتقال في غاية البعد ، فالنهي - حينئذٍ - يدلّ على الفساد « 1 » . انتهى .
أقول : هنا وجه ثالث : وهو أن لا تكون السببيّة عقليّة تكوينيّة ولا تشريعيّة ، بل عرفيّة عقلائيّة ، فإنّ العقلاء يعتبرون وجود الملكيّة بالتلفُّظ ب « بعت » و « اشتريت » ، وهو سبب عندهم لها ، ويتعلّق النهي في هذا القسم بهذا العنوان الاعتباريّ ، وهذا الوجه هو المتعيِّن ، فإن كان النهي عنه ردعاً لهذه الطريقة العقلائيّة وبنائهم ، فمقتضاه الفساد ، كما في النواهي الإرشاديّة ، وإن قلنا بأنّه ليس ردعاً لها ، بل هو مجرّد زجر عن سلوكها ، فيدلّ على مبغوضيّتها مع تأثير السبب أثره على فرض وقوعه في إيجاد المسبّب ، فلا يقتضي الفساد حينئذٍ .
ثمّ لو تنزّلنا عن ذلك ، وقلنا : إنّ السببيّة مجعولة شرعيّة ، لكن ليس المجعول هو سببيّة هذا اللفظ للانتقال الخاصّ ، بل المجعول السببيّة لكلّيّ اللفظ للانتقال بالمعنى الكلّيّ ، ولا يستلزم مبغوضيّة فرد خاصّ من السببيّة فسادَ كلّيّتها ، بل لا منافاة بين مبغوضيّتها وبين صحّتها كليّاً وتأثيرها ، فإنّ المجعول هو الكلّيّ ، والمبغوض هو الفرد .
لا يقال : الحكم بالصحّة هنا لغوٌ ؛ حيث إنّه لا معنى لها مع مبغوضيّتها ووجوبِ إجبار الكافر على البيع من مسلم أو المصحف الذي اشتراه من مسلم وفرضِ صحّته .
فإنّه يقال : لا مانع من ذلك ؛ لوقوع نظائره في الشريعة ، فإنّ شراء الولد والديه صحيح ، مع أنّهما ينعتقان عليه ، ولو فُرض النهي عن تسبُّب شيء لشيء ، وكان هو المبغوض بدون مبغوضيّة ذات السبب ولا المسبَّب ، فالنهي فيه يدلّ على الصحّة ؛ لأنّه تعتبر القدرة في متعلَّق النهي ، كما في الأمر ، ومع الفساد ليس هو بمقدور ، ومثّلوا لذلك بالظِّهار ، فإنّ طلاق المرأة مطلقاً ليس مبغوضاً ، وكذلك مجرّد التلفُّظ ب « أنتِ عليَّ كظهر امّي » ، فإنّه بما أنّه فعل مباشريّ ليس مبغوضاً ، بل المبغوض هو التسبُّب للطلاق
هامش
( 1 ) - المصدر السابق .