العدم - كما عرفت - غير قابلٍ لأنْ يتوقّف عليه الشيء أبداً فلا يمكن شرطيّة العدم لشيء أو تأثيره في شيء وما يتراءى من قولهم : - إنّ عدم العلّة علّة العدم « 1 » أو أنّ عدم المانع شرط - فهو مسامحة في مقام تعليم المتعلّم المبتدئ وتقريب المعنى إلى ذهنه ، وإلّا فالعدم ليس بشرط ، بل الوجود مانع ، كما أنّ شدّة فرط المحبّة للولد الغريق مانعة عن تأثير المحبّة بالنسبة إلى الأخ الغريق في إنقاذه .
ولا فرق فيما ذكرناه بين العدم المطلق وعدم الملكة والعدم المضاف ، فإنّه ليس للعدم حظٌّ من الوجود أصلًا ، نعم للملكة نحو من الوجود ؛ لما عرفت من أنّها عبارة عن الاستعداد والقابليّة .
وممّا ذكرنا يظهر ما في كلام بعض المحقّقين من المحشّين قدس سره حيث إنّه ذكر بعد بيان أقسام السبق والتقدّم : وأنَّ السبق قد يكون بالتجوهر ، كتقدّم أجزاء العلّة المركّبة والماهيّة على أنفسهما ، وقد يكون بالرتبة ، كتقدّم العلّة على معلولها وغير ذلك :
من أن العدم لا يمكن توقّفه على الوجود ؛ لاستحالة تأثير الموجود في العدم ، فإنّه ليس بشيء ، لكن يمكن أن يتوقّف الموجود عليه ، فإنَّ العدم قد يكون مُصحِّحاً لفاعليّة الفاعل أو القابليّة القابل ، فإنّ عدم الرطوبة مُصحِّحة لقابليّة المحلّ للتأثير في إحراق النار ، فيمكن توقّف بياض المحلّ على عدم السواد ، فإنّه مُصحِّح لقابليّة المحلّ للابيضاض « 2 » . انتهى مُحصّله .
بيان الإشكال : ما عرفت من أنّ العدم عبارة عن اللاشيء ، فلا يمكن أن يتوقّف عليه الوجود ، وهو قدس سره معترف بأنّه ليس بشيء ولا تأثير وتأثّر له ، فكيف يقول بأنّه يمكن أن يتوقّف الوجود عليه ؟ ! ولا فرق في ذلك بين توقّفه على الوجود وتوقّف الموجود عليه ، والمصحّح لقابليّة المحلّ للإحراق بالنار ليس هو عدم الرطوبة ،
هامش
( 1 ) - انظر كشف المراد : 23 ، إرشاد الطالبين : 164 .
( 2 ) - نهاية الدِّراية 1 : 220 .