أقول : قد تقدّم الإشكال فيه بأنّه مسبوق بالتبادر واستكشاف الوضع - حينئذٍ - إنّما هو به ، لا من صحّة الحمل .
وقال بعض الأعاظم قدس سره : إنّ المناط في علاميّة صحّة الحمل للحقيقة والملاك فيه هو سلب الشيء عن النفس ، ومهّد لذلك مقدّمة هي :
أنّ الوجود على أنحاء : الوجود في العين ، والوجود في اللّفظ ، والوجود في الذهن ، والوجود في الكتابة . والأوّل واضح .
والثاني : فَلِما قيل من أنّ حقيقة الأشياء توجد في الذهن بأنفسها . وأمّا الأخيران فلفناء اللّفظ والكتابة في المعنى عند الإلقاء إلى المخاطب ، فكأنّ المُلقى إليه نفس المعنى .
إذا عرفت هذا فاعلم : أنّ المراد بصحّة الحمل في علاميّته للحقيقة هو حمل اللّفظ - بما أنّه لفظ - على المعنى ، فصحّته علامةُ أنّه موضوع له ، لا حمل اللّفظ بما له من المعنى ، وكذلك عدم صحّة الحمل .
فإذا أريد أن يعلم أنّ لفظ « الإنسان » موضوع لطبيعته أو لا ، يجعل طبيعة الإنسان موضوعاً ، ثمّ يحمل لفظ « الإنسان » - بما أنّه لفظ - عليه ، فإن وجد صحيحاً كشف عن أنّه موضوع له ، وإلّا فلا .
وفيه ما لا يخفى : إذ لا يعقل حمل اللّفظ - بما انه لفظ - على المعنى ، ولذا لو قيل :
« زيد لفظ الإنسان » وجدته غلطاً . والعجب أنّه قدس سره ادّعى أنّ مراد صاحب « الكفاية » أيضاً ذلك ، مع تصريحه بخلافه ؛ حيث قال : ثمّ إنّ عدم صحّة سلب اللّفظ بمعناه المعلوم المرتكز في الأذهان إجمالًا « 1 » . . . إلى آخره .
وظهر ممّا ذكرنا سابقاً : من أنّ عدم صحّة السلب أو صحّة الحمل دائماً مسبوق بالتبادر وأنّه لا تصل النوبة إلى الاستكشاف بصحّة الحمل حال علاميّة صحّة السلب
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 34 .