وأمّا الترجيح بلا مرجِّح فهو غير مستحيل ، والمستحيل هو الترجّح بلا مرجّح ، ولا ارتباط للمسألة العرفيّة التي أوردوها لجواز الترجيح بلا مرجّح ، مثل اختيار العطشان أحد الماءين المتساويين من جميع الجهات ، ولا يمكث عطشاناً لأجل محذور استحالة الترجيح بلا مرجّح ، ونظائره بالمقام لأنّها مسائل عرفيّة لا تصلح دليلًا للمسألة العقليّة .
وممّا استدلّ به الأشاعرة أيضاً : أنّه لا ريب في أنّه تعالى مريد ، وتتعلّق إرادته بجميع الأشياء ، وأنّ إرادته عين علمه تعالى بالنظام على الوجه الأكمل للعالم ، فهي عين ذاته ، فإذا تعلّقت بشيء من الأفعال ، كالتكلّم الصادر من الإنسان ، وجب وجوده ، وإلّا لزم تخلّف إرادته تعالى عن المراد « 1 » .
وإلى هذا أشار بعض الشعراء « 2 » في الفارسيّة :
گرمى نخورم علم خدا جهل بود « 3 » .
وليس مراده أنّه لو لم يشربه يلزم ذلك ؛ كي يجاب : بأنّ عدم الشرب لا يستلزم ذلك ، بل يكشف عن عدم إرادته تعالى به - كما عن بعض الأعاظم - بل مراده ما ذكرناه وإليه يرجع ما حُكي عن بعضهم من أنّ إرادته تعلّقت بالنظام الجُملي للعالم ، ولا تتخلّف الإرادة عن المراد .
والحاصل : أنّ جميع الآثار الموجودة في الخارج مستندة إليه تعالى ، وتعلّقت إرادته الأزليّة به ، واستحال انفكاكها عن المراد .
وممّا ذكرناه في الجواب عن الشبهات المتقدّمة لهم وللمعتزلة ، يظهر الجواب عن هذه الشبهة أيضاً ؛ إذ إن أريد أنّ هذه الآثار والأفعال الخارجيّة مستندة إليه تعالى على
هامش
( 1 ) - انظر الحكمة المتعالية 6 : 379 ، وشرح المقاصد 4 : 232 - 233 .
( 2 ) - الظاهر أنّه لخيّام .
( 3 ) - مصراعه الأول : مى خوردن من حق ز أزل مىدانست .