وأمّا عدم النفرة من قولنا : « اللَّه تعالى وجود » كما قد يعبّر بذلك ، فإنّما هو لأجل انس الذهن الحاصل من كثرة استعمالهم ذلك في الفلسفة وشوب أذهانهم بذلك ، فهم متّهمون في ذلك ، وإلّا فلا فرق بين المذكورات أصلًا كما يتنافر من القول بأنّه تعالى خالقيّة أو رازقيّة ؛ لعدم الفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال في ذلك ، بل معنى العينيّة المذكورة : أنّ ذاته المقدّسة مع بساطتها جامعة لجميع هذه الصفات المختلفة ، وموصوف بجميع الصفات الجماليّة والكماليّة ، من دون أن يستلزم التركّب في ذاته ؛ لأنّه تعالى - في مرتبة ذاته المقدّسة - بسيط محض .
والحاصل : أنّ معنى قولنا : « اللَّه تعالى عالم أو قادر » ، أنّه جامع لجميع هذه الصفات ، وقد حقّق في محلّه أنّه تعالى مع بساطته كلّ الكمال ، ولا تنثلم بذلك بساطته .
الثالث من الوجوه : أن يقال إنّ جري المشتقّات مثل « عالم » و « قادر » على الذوات على نحوين :
أحدهما : ما إذا كان المبدأ فيه زائداً على الذات كما في جريها على غيره تعالى .
الثاني : ما إذا كان عين الذات كما في جريها عليه تعالى .
والحاصل : أنّه لو أمكن إثبات أنّ جري المشتقّات عليه تعالى بنحو الحقيقة بأحد الوجوه المتقدّمة فهو ، وإلّا تعيَّن الالتزام بالتجوّز ، كما ذهب إليه في « الفصول » « 1 » .
وأمّا توهّم : أنّ استعمال أهل العرف مثل « عالم » و « قادر » عليه تعالى غلطٌ ؛ غفلة عن عدم صحّته ؛ لعدم درك أفهامهم القاصرة لهذه المطالب الدقيقة فهو خطأ منهم من دون التفات بحيث لو نبّههم أحد لذلك رجعوا عنه « 2 » .
فهو من الأعاجيب ؛ ضرورة أنّ هذه الإطلاقات صادرة عليه تعالى من الخواصّ الملتفتين لهذه المطالب ، مضافاً إلى استعمال ذلك في الأخبار والآيات القرآنيّة ،
هامش
( 1 ) - تقدّم تخريجه .
( 2 ) - بدائع الأفكار ( تقريرات العراقي ) 1 : 190 .