وأمّا من حيث المادّة فلما عرفت من أنّها موضوعة للحدث العارض على الذات ، تعالى اللَّه عن المعروضيّة للحوادث ، ولهذا التزم صاحب « الفصول » بأنّ إطلاقها عليه بضربٍ من العناية والتجوّز « 1 » .
وأورد عليه في « الكفاية » بما حاصله : أنّه لو كان الصفات المحمولة عليه تعالى بغير معانيها العامّة الجارية على غيره تعالى ، فهو غير مفهوم ولا معلوم إلّا بما يقابلها ، ففي مثل ما إذا قلنا : « إنّه تعالى عالم » إمّا أن نعني أنّه تعالى من ينكشف لديه الشيء ، فهو ذاك المعنى العامّ ، أو أنّه مصداق لما يقابل ذاك المعنى ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً ، وإمّا أن لا يُعنى شيء فهو مجرّد تكلفة اللسان وبلا معنى « 2 » انتهى .
أقول : هذا الذي ذكره إنّما يرد على المعتزلة القائلين بقيام الذات مقام الصفات ونيابتها عنها « 3 » لا على ما ذكره في « الفصول » ، فإنّ مراده قدس سره أنّ ذاته المقدّسة لما كانت عين العلم والقدرة ونحوهما فحمل العالم والقادر - بمعنى المُعَنون المنتزع من الذات بلحاظ اتّصافها بالمبدأ - ليس بنحو الحقيقة ، فهو مجاز ، ولا يرد عليه الإشكال الذي ذكره قدس سره .
وأمّا ما أجاب عنه هو قدس سره : من كفاية مغايرة المبدأ على ما يجري عليه المشتقّ مفهوماً وإن اتّحدا عيناً ، فهو خروج عن مورد الإشكال ؛ لعدم كفاية اتّحاد الذات مع المبدأ في صحّة الحمل ، بل المصحِّح هو اتّحاد الذات والمحمول الذي فرض تركّبه عند التحليل ، ويمتنع اتّحاده مع ذاته تعالى ، فلا بدّ أن يكون عارضاً عليه ، تعالى اللَّه عن المعروضيّة للحوادث .
وبعبارة أخرى : الإشكال في المقام هو أنّ مقتضى جري المشتقّات عليه تعالى
هامش
( 1 ) - الفصول الغرويّة : 62 .
( 2 ) - كفاية الأصول : 77 - 78 .
( 3 ) - قد ورد النسبة إلى المعتزلة بهذا التعبير في شرح المنظومة ( الحكمة ) : 161 .