يبيع من عنده الطعام باللّباس الذي لآخر ، وهكذا وقع التبادل في أمتعتهم ، وهو محيط تمدّن البشر .
ثمّ إنّ الشارع أيضاً اعتبر تلك المعاملات ، إلّا أنّه زاد فيها قيوداً وشروطاً ، مثل عدم كونه ربويّاً ، فلم يعتبر البيع الربوي - مثلًا - لمكان المفسدة فيه .
فظهر أنّ البيع في محيط التمدّن عبارة عن ماهيّة اعتباريّة للعرف والعقلاء ، وكذا الإجارة ونحوها ، فهي عندهم من الأمور البسيطة الاعتباريّة التي يترتّب عليها الآثار ، وأمرها دائر بين الوجود تامّاً والعدم ، ولا قسم ثالث لها ، فبيع الخمر والخنزير والبيع الربوي ليس عندهم بيعاً ؛ بمعنى أنّهم لم يعتبروه ، لا أنّهم اعتبروه ، ولكن لم يُرتِّبوا عليه الأثر .
وحينئذٍ فاحتمال أنّ لها ماهيّات حقيقيّة وعناوين واقعيّة ممّا لا مجال له أصلًا ، فلا يعقل فيها هذا النزاع ؛ لما عرفت من دوران الأمر فيها بين الوجود والعدم .
وبالجملة : الأمور الاعتبارية متقوّمة بالاعتبار ، وبدونه ليست بشيء ، والمعتبِر :
إمّا من العقلاء ، فيختلف باختلاف الأعصار والأمصار ، فقد يعتبر معاملة في مصرٍ دون مصر ، وفي عصرٍ دون عصرٍ آخر ، كما نشاهد ذلك في بعض المعاملات المخترعة في الأعصار الجديدة ، كالمعاملة المسماة ب « البيمه » « 1 » فتزويج الامّهات إمّا متحقّق مؤثّر ، كما هو كذلك عند المجوس ، أو غير متحقّق أصلًا ، كما هو كذلك عند سائر العقلاء ، لا أنّ له واقعاً متحقّقاً لكنّه غير مؤثّر ، يُسمّى فاسداً . هذا في محيط التمدّن .
وأمّا في محيط الشرع ففيه احتمالان :
أحدهما : أن يكون اعتبار الشارع أيضاً كاعتبار العقلاء ، يدور أمر المعاملات عنده بين الوجود والعدم .
وثانيهما : أن لا يكون كذلك ، بل اعتبر بعض المعاملات ، ولكن لم يرتّب عليه
هامش
( 1 ) - البيمه : كلمة فارسية ومعناها التأمين .