الرضى بالترك وكلامنا في الايجاب لا الوجوب ، والعلوّ إنّما يصح قرينة على الوجوب لا الإيجاب ، إذ قد عرفت أنّ بين العلوّ والإيجاب عموم من وجه يجتمعان في الطلب المستعلي ، ويفترق الأوّل بالطلب العالي الغير المستعلي بدون الإيجاب ، ويفترق الثاني في المستعلي الداني ، فكيف يصير أحدهما قرينة للآخر .
والحاصل أنّ المقصود إثبات كون الأمر حقيقة في الايجاب وإن صدر من غير العالي لا في الوجوب .
وأمّا تعبير بعضهم في العنوان بدل الإيجاب بالوجوب فإنّما هو تسامح من باب التعبير عن اللازم الأعمّ بالملزوم الأخصّ ، أو المراد به الوجوب اللغوي المساوق للإيجاب وهو عدم الرضى بالترك لا الوجوب الشرعي المساوق لاستحقاق العقاب على الترك .
فإن قلت : تبادر الإيجاب من الأمر ليس تبادرا وضعيّا ، بل تبادر إطلاقي ناشئ من ظهور انصراف الإطلاق إلى الإيجاب كتبادر الإيجاب من طلب الفعل وإرادته ، مع أنّ وضعهما لمطلق الطلب ، وكتبادر الوجوب النفسي العيني من إطلاق الوجوب ، مع كون الوجوب حقيقة في الأعمّ من النفسي والغيري ومن العيني والكفائي على المشهور ، وكتبادر الماء المطلق من إطلاق الماء ، مع كونه حقيقة في المضاف أيضا على المشهور .
قلت أوّلا : إنّ الأصل في التبادر عندنا كونه وضعيا لا إطلاقيّا ، كما قرّرناه في محلّه بما لا مزيد عليه فليراجع .
وثانيا : أنّ انصراف الإطلاق إلى بعض الأفراد مع فرض الوضع للأعمّ لا بدّ له من سبب ، والسبب إمّا غلبة وجود الفرد المنصرف إليه ، أو غلبة استعماله ، أو أكمليّته من بين الأفراد ، أو استغناء انطباق المطلق عليه من القيد المحتاج إليه سائر الأفراد في انطباق المطلق عليها عرفا ، كاستغناء انطباق الوجوب على الوجوب
تقريرات في أصول الفقه — صفحة 259
مساهمون: السيد عبد الحسين اللاري
ص٢٥٩