وجوبا فوجوبا وإن حرمة فحرمة ، فلو قلنا بعدم الشركة في الأصول أو بعدم جريان التقليد فيها أيضا نقول : له لن يفتي بالتخيير ؛ لأنّه لازم التخيير في الأخذين الذي هو مسألة أصوليّة ، وهذا بخلاف مسألة الإقامة وعدمها ، حيث إنّ القصد وعدمه غير الإتيان بالقصر والإتمام « 1 » ، ولهذا لو صلّى بدون القصد والبناء على الإقامة أو العدم بطلت .
وأمّا فيما نحن فيه فمجرّد موافقة أحد الخبرين كافية في الصحّة ، ولا يحتاج إلى البناء كما في صورة كون الخبر بلا معارض ، فإنّه بعد العلم به وكونه واجب العمل لا حاجة إلى مئونة شيء وراء العمل على طبقه .
فتحصّل أنّ التحقيق أنّ الاختيار ليس من تتمات الاستنباط وإن كان الخبران « 2 » حجّة فعليّة بعنوان التخيير ، وأنّ التخيير بينهما مسألة أصوليّة وأنّه لا شركة في الأصول بما هي ، بل باعتبار ملازمته للفروع ، وأنّه لا تقليد في الأصول - على فرض الشركة - إلا من حيث إنّه عين التقليد في الفروع ، ومع ذلك فالمقلّد مخير كالمجتهد .
وممّا ذكرنا ظهر أنّه لا وقع لما يمكن أن يتخيّل في المقام من أنّ المقلّد لا بدّ أن يكون موافقا للمجتهد في الحكم ؛ لأنّه تابع له ، وعلى الإفتاء بالتخيير يلزم المخالفة ؛ لأنّه يختار خلاف ما اختاره « 3 » المجتهد ، والفرق بين المقام وبين خصال الكفارة إذا اختار المقلّد خصلة غير ما اختاره المفتي أنّ كلّا من الخصلتين ليس متعلقا لحكم على حدة ، بخلاف مقامنا ؛ فإنّ مفاد كل من الخبرين حكم على حدة ؛ لأنّ المفروض أنّ أحدهما دالّ على الوجوب مثلا ، والآخر على الحرمة . . وهكذا ، وذلك لأنّ التبعيّة في أصل التخيير بين الحكمين كافية ولا يحتاج إلى أزيد من ذلك ، وإن شئت فقل إنّ التخيير إنّما هو بين الإتيان بعنوان الوجوب ، والترك بعنوان الحرمة فهذان الأمران نظير الخصلتين في أنّهما موردا الوجوب التخييري ، وإن كانت خصوصيّة كلّ منهما أيضا حكما شرعيّا ، فتدبّر .
هامش
( 1 ) كلمة « والإتمام » لا توجد في نسخة ( ب ) وفي نسخة ( د ) : والتمام .
( 2 ) في نسخة ( د ) : وأنّ كلا الخبرين .
( 3 ) في نسخة ( ب ) : نختار ، وفي نسخة هكذا : لأنّه قد يختار خلاف مختار المجتهد .