تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تراث الشيعة الفقهي والأصولي ( المختص بأصول الفقه ) — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
فيه إلّا الّذين أوتوه من بعد ما جاءهم العلم ، « 1 » فجعل كلّ هذه خلافات ، وعدّت جميعها أقوالات ، مع أنّ هذه كلّها - غير القسم الأوّل - لا تعدّ عند العقلاء شيئا ، كيف ؟ ولو عدّت أمثال هذه الأشياء خلافا ، لما بقي شيء متّفق عليه حتّى أبده البديهيّات كضوء الشمس ، فإنّه قد ينكره الذي في عينه رمد ، وكذلك الذي في قلبه مرض ينكر حقائق محكمة ، ويتّبع طرائق مظلمة ، بل الذي في قلبه مرض أعظم داء ، وأبعد شفاء ؛ لأنّ مرض الجوارح ربّما يعترف به صاحبه ولا يزيده شيئا ، ومرض القلوب لا يعترف به صاحبه ، ويزيده وعرا وإعضالا وزيغا وإضلالا حتّى يجعل صدره ضيّقا حرجا كأنّما يصّعّد في السماء . وأمّا صاحب القلب السليم ، والناظر بعين الإنصاف والرأي المستقيم ، فهداه اللّه لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه ، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . الثالثة : قد كثر في هذا العلم في جميع أبوابه التعرّض والبحث عن أشياء لا تليق بالتعرّض ، ولا يمكن البحث عنها لكونها بديهيّات تعرّضا مجاوزا عن الحدّ ، لا سيّما في باب الحدود والتعريفات ، كالتعرّض لتعريف كتاب اللّه وأمثاله ، وكالتعرّض لتحقيق معنى الواجب المخيّر والكفائي والموسّع وأمثاله . ومن البيّن أنّ استخفاء البديهيّات والإغماض عن نور بداهتها ثمّ البحث عن أحوالها والتعرّض لتحديدها من الحماقة البيّنة ؛ لأنّهما مختصّان بالنظريّات الخفيّة ، ولا يجاوزان إلى البديهيّات الجليّة ، ولهذا لا يزداد صاحبه إلّا حيرة وإشكالا ، وظلمة وضلالا ، كمن أغمض عينه عن ضوء النهار والشمس ، ومشى بظلمة وهمه وخياله باللمس والهمس ، « 2 » وكذلك قد يتعرّض لأشياء لا مدخل لها في هذا العلم أصلا ، أو لها مدخل ولكنّه قد بحث عن أحوالها في علوم أخر موضوعة لأجلها ؛ وكذلك
هامش
( 1 ) . إشارة إلى الآية 213 من سورة البقرة . ( 2 ) . الهمس : الخفيّ من الصوت . لسان العرب ، ج 6 ، ص 250 ( همس ) .
تراث الشيعة الفقهي والأصولي ( المختص بأصول الفقه ) — صفحة 67 | محمد حسين الدرايتي / مهدى مهريزى