الثالث : إنّ مطابقة هذه الصّورة ومخالفتها للواقع خارجة عن اختيار الإنسان ، فقد تكون مطابقة وقد لا تكون ، ولا اختيار للإنسان في ذلك .
وبالنظر إلى هذه الأمور . . . .
فإنّ متعلّق التكليف القابل للانبعاث والانزجار هو ما احرز أنه خمر ، لما تقدّم من أن المؤثر في الإرادة هو الإحراز ، فكان متعلّق التكليف هو ما احرز ، وهو مطابق للواقع تارة وأخرى غير مطابق له ، وقد تقدّم أن المطابقة والمخالفة ليسا باختياريين للمكلّف ، فكان موضوع الحرمة : ما احرز أنه شرب للخمر ، فهذا هو الموضوع ، ولا دخل فيه للواقع ولا المطابقة للواقع ، بل هو الموضوع للحكم بالحرمة سواء طابقه أو خالفه .
فالفعل الصادر من المكلّف حرام وإنْ لم يكن شرب الخمر في الواقع .
الجواب عن الاستدلال المذكور
وقد أورد المحققون على هذا الاستدلال وجوهاً من الإشكال :
أولًا : إنّ إحراز الواقع وتحقّق الصّورة الإدراكيّة منه في الذهن ، إنما يؤثّر في مرحلة فاعليّة الحكم ومحركيّته للمكلّف ، لا في مرحلة فعليّة الحكم ووجوده حتى يكون أعم من المطابق والمخالف ، وقد وقع الخلط في الاستدلال بين شرط وجود المقتضي وشرط تأثيره في الإرادة ، والإحراز شرط تأثيره لا وجوده .
وثانياً : إنّ الأحكام الشرعيّة معلولة للمصالح والمفاسد ، فلو جُعل الإحراز موضوعاً للحكم الشرعي لزم انتفاء الحكم حيث لا إحراز ، فيلزم تخلّفه عن المصلحة والمفسدة . وكذا لو كان إحرازٌ بلا واقع ، كما لو أحرزت الخمريّة ولا خمر واقعاً ، فإنّه يلزم تحقّق الحكم بالحرمة بلا مفسدة . . . والحال أنّ الأحكام