وأمّا في الجهة الثانية
فإنّ الخطاب على قسمين ، فإنْ كان حقيقيّاً ، فإنّ خطاب المعدوم على نحو الحقيقة غير معقول ، إذ يحتاج إلى المخاطب الحاضر الملتفت . وإنْ كان خطاباً إيقاعيّاً فهذا ممكن بالنسبة إلى المعدوم ، لأنه مجرّد الإنشاء وليس شيء آخر وراءه ، ولذا قد يخاطب الجمادات بشيء كما لا يخفى .
وأمّا في الجهة الثالثة
فالمهمُّ هو التحقيق عن وضع أدوات الخطاب ، لأنّها إنْ كانت موضوعةً للخطاب الحقيقي ، كانت الخطابات الشرعية مختصّةً بالحاضرين ، فلا تشمل الغائبين فضلًا عن المعدومين ، وإن كانت موضوعةً للخطاب الإنشائي شملت المعدومين والغائبين كالحاضرين المشافهين .
وقد ذهب صاحب ( الكفاية ) « 1 » في هذه الجهة إلى أنّ الموضوع له الأدوات هو الخطاب الإنشائي ، فتعمّ الغائب والمعدوم ، بدليل استعمالها في خطاب المعدوم بل غير العاقل بلا أيّة عنايةٍ ، ( قال ) : ولا يتوهّم وجود العناية ، لأنّه لو كان هناك علاقة وعناية لعلم بها المتكلّم ، لأن الخطاب فعلٌ من أفعاله ولا يعقل عدم التفاته إلى العناية ، فهو يخاطب الدار والجدار والكواكب والأشجار مثلًا بنفس كلمة « يا » التي يستعملها مع ذوي العقول . . . فهذا برهان على عموم الوضع . . . نعم ، المنصرف إليه هذه الأدوات مع عدم القرينة هو الخطاب الحقيقي . . . وعلى الجملة ، فإنّ جميع الخطابات الموجودة في الكتاب والسنّة محمولة على الخطاب الإيقاعي الإنشائي ، لوجود القرائن ، فهي عامّة للحاضرين والغائبين والمعدومين .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : 229 - 230 .