كان أوجه من تقريرها بالوجه السابق إلّا انها مع ذلك لا تغني عن الحق شيئا فان بقاء تلك الأمور المختلفة في مقدار الاستعداد للبقاء لا توجب حصول الظن ببقاء المستصحب مطلقا . نعم ، غاية ما تقتضيه هذه الغلبة وقاعدة الحاق الشئ بالأعم الأغلب هو الحاق المستصحب بنوعه أو صنفه في مقدار البقاء لا الحكم بالبقاء بقول مطلق - كما هو المدعي - فيكون الدليل أخص منه .
هذا مضافا إلى ما قد عرفت من أن مجرد احراز مقدار الاستعداد في نفسه لا يفيد الظن الفعلي بالبقاء ما لم يظن عدم الارتفاع . و « أخرى » : يكون المراد من الظن الظن النوعي ببقاء المستصحب وان لم يكن فعليا في مورد خاص . ويرد عليه أيضا جل ما تقدم بعد الاستناد في ذلك إلى الغلبة بأحد التقريبين .
هذا كله مضافا إلى ما تقدم من الاشكال في الكبرى وهي اعتبار مثل هذا الظن الحاصل بالغلبة بعد تسليم الصغرى والاعتراف بحصول الظن الشخصي أو النوعي ، فإن كان مدرك الاعتبار هي الاخبار فهي العمدة وسيأتي تفصيل الكلام في مقدار مفادها ، وان كان هي السيرة وبناء العقلاء فستعرف ما فيها .
( الثالث ) من وجوه الاستدلال لاعتبار الاستصحاب بقول مطلق ( دعوى ) جريان سيرة العقلاء وبنائهم على اتباع الحالة السابقة
والجري على وفقها وعدم اعتنائهم باحتمال انقراضها وتبدلها بحالة أخرى مع عدم الردع عنها ، فإنك ترى بالعيان جريان ديدنهم على ذلك في جل أمورهم المربوطة بالمعاش والمعاد من غير نكير عليهم وهذا يكشف عن اعتبار الحالة السابقة عندهم ما لم ينكشف خلافها وانتقاضها بل لا يختص الامر بهم فإنه امر جبلى فطري مشترك بين الانسان وبين غيره من أصناف الحيوانات - كما لا يخفى - وفيه ( أولا ) : ان العمل على طبق الحالة السابقة في الجملة وان كان مما لا يقبل الانكار لما عرفت من أنه في الجملة أمر جبلي فطرى لكنه لم