متقوّما به ، لإمكان إحضار اللّفظ في أفق النفس بالتوجه الاستقلالي إليه في مقام الاستعمال دائما ، ولا يزول هذا الإمكان مهما بلغ كثرة الاستعمال . فحقيقة الاستعمال متقوّمة بإقامة العلامة ، لا أزيد ، وحال الألفاظ في ذلك حال سائر العلائم والدوالّ الجعليّة .
ولكن التحقيق أنّ الامتناع لا يتوقّف على الإفناء . بل له وجه آخر وهو أنّ الاستعمال فعل آنيّ يوجد وينصرم ، فلا يتحقّق به إلّا مسبّب واحد وهو الحكاية لأنّ الاستعمال عبارة عن إقامة العلامة بداعي الحكاية عن ذي العلامة ، وحيث إنّ الاستعمال فعل دفعي آنيّ الحصول يوجد وينصرم وهو بالوجدان فعل واحد ، فلا محالة لا يتحقّق به إلّا حكاية واحدة ، ثمّ إن كان المقصود من إرادة المعاني المتعدّدة إرادتها على سبيل الاستقلال والانفراد بحيث كأنّه استعمل اللّفظ فيها متكرّرا ، وأريد من كلّ لفظ حكاية على حدة ، فهذا غير ممكن ؛ لأنّ الحكاية الواحدة لا تتبدّل إلى الحكايات المتعدّدة ، وإن كان المقصود جمع المعاني في عالم الخيال والحكاية عنها بحكاية واحدة حسب اقتضاء الاستعمال الواحد ، فهذا أمر ممكن ولا ثالث في البين .
ومن هنا علم أنّه لا فرق فيما ذكرنا بين القول ، بأنّ حقيقة الاستعمال إفناء اللّفظ في المعنى ، أو كونه صرف جعل علامة عليه ، إذ كما يمكن جعل اللّفظ علامة على المعاني العرضيّة المتعدّدة المجتمعة في صفحة الذهن ، فيتوجّه إليها المستعمل ويلاحظها ويحكي عنها بحكاية واحدة ، كذلك لا مانع من إفناء لفظ واحد في المعاني المتعدّدة الملحوظة عرضيّا في حال الاستعمال ، فيلاحظها ويجعل اللّفظ مرآة لها ويفنيه فيها ، وقابليّة فناء الواحد في المتعدّد بمرآتيّته لها موجودة في الآلات الحقيقيّة ؛ كالمرآة والمنظار ، فما ظنّك بالآلة الجعليّة ، فإنّ أمرها بيد الجاعل . فبإمكان المستعمل أن يجعل لفظا واحدا
تحرير الأصول — صفحة 226
مساهمون: السيد محمد علي الموسوي الجزائري
ص٢٢٦