الاختلاط إشارة إلى تلك الرقائق . كما أنّ الظاهر من الآية أنّ المراد بالنطفة نطفته الروحانية لا الجسمانية « 1 » . وهذا الاختلاف والاختلاط صار سببا لاختلاف الميول ثم الاختيار وترجيح بعضها على بعض .
إذا عرفت ذلك كله تعرف أنّ علمه تعالى بصدور الفعل عن العبد باختياره لا يقلب الفعل عن كونه اختياريا . لأنّ هذا العلم يكون لا محالة شبه الانفعال وتابعا للمعلوم ؛ إذ العلية والمعلولية من ذاتيات العلل والمعلولات . « 2 »
هامش
( 1 ) . كما أشارت إليها أخبار الطينة ( بحار الأنوار 25 : 50 / 10 ؛ بصائر الدرجات : 35 / 5 و 37 / 10 ) . ويدل عليه قوله تعالى في الآية المباركة : « نبتليه » فإنّه يناسب الروح لا الجسد والمادة .
( 2 ) . وهذه التابعية لا تستلزم البعدية ، هذا . ولتوضيح المرام نقول : ( ومن اللّه تستمد ونستعين ) يمكن طرح الإشكال تارة من جانب الأشاعرة بأنّ على القول باتحاد الطلب والإرادة يلزم بالنسبة إلى تكليف الكفار بالإطاعة والإيمان إمّا القول بعدم إرادة الإيمان منهم جدّا وكون تكليفهم وأمرهم به صوريا ، أو تخلف الإرادة عن المراد تعالى اللّه منه . وتارة من جانب المجبرة الإيراد على جواز أصل تكليف العباد ومطيعهم وعاصيهم بأنّ كل واحد من الطائفتين مجبور على أفعاله عصيانا كان أو إطاعة . وبعبارة أخرى : لا يتصور بالنسبة إليهم الإطاعة والعصيان لأنّهما خارجان عن قدرة العبد وكل ميسر لما خلق له ، وذلك لأنّ اللّه تعالى عالم بحال عبده من الإطاعة والعصيان فلا يقدر العبد على تغيير ما تعلق به علمه تعالى ، فإنّه يلزم منه تخلف علمه عن معلومه وجهله ، تعالى اللّه منه علوا كبيرا ، وهو خلاف اتفاق العدلية والأشاعرة .
والجواب عن إيراد الأشاعرة أنّ التكليف من الوجوب والحرمة ينشأ بالأمر الإنشائى المطلق الشامل للعاصي والمطيع ، إلّا أنّ الإرادة متعلق بانبعاث العبد إليه بالاختيار . وإن شئت قلب : يتعلق علم المولى بانبعاث عبده المطيع باختياره من -