تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنيس المجتهدين في علم الأصول — صفحة 628

مساهمون:

ص٦٢٨
وأمّا الثانية ، فلا ريب في لزوم مناسبتها للمعلول في الواقع . وأمّا ظهورها عندنا ، فليس بلازم . فلمّا علمنا بالدلالة إفادتهما للعلّيّة بنفسهما ، فإن كانا من العلل المعرّفة ، فلا حاجة إلى مناسبة أصلا ، وإن كانا من العلل الباعثة ، فيحكم بمناسبتهما للحكم وإن لم يكن المناسبة معلومة لنا ، وثبوت المناسبة الواقعيّة بدون ظهورها لنا لا يدخلهما فيما يثبت علّيّته ؛ لأنّ العلّة الثابتة ما يثبت علّيّته لنا . والحاصل : أنّا ندّعي أنّهما يفيدان العلّيّة بنفسهما من غير أن يعلم علّيّتهما من طريق آخر من مناسبة أو نصّ أو عقل أو غيرها ، ولا ينكر اتّصافهما بما يشترط في العلّة ، فلم يخرج عن المبحث . هذا ، مع أنّ ثبوت العلّيّة بمجرّد المناسبة غير مسلّم ، فالمناسبة لا تستلزم العلّيّة وإن كانت العلّيّة تستلزمها ، فلو قطع النظر عن إفادتهما للعلّيّة بالترتّب لم تكن علّيّتهما ثابتة وإن كانا مناسبين . وممّا يدلّ على علّيّتهما - وإن لم يعلم المناسبة - أنّه لو قيل : « إن كان عالما ، فأهنه ، وإن كان جاهلا ، فأكرمه » أو « أهن العالم » و « أكرم الجاهل » قبح ، وليس ذلك لمنافاة مطلق العلم للإهانة ، ومطلق الجهل للإكرام ؛ لأنّه قد تقدّم المنافاة لأسباب أخر ، فهو لسبق فهم التعليل ، ودلالتهما على العلّيّة في هذه الصورة تستلزم دلالتهما عليها في سائر الصور ؛ دفعا للاشتراك والمجاز ، وإذا ثبت علّيّتهما يثبت « 1 » دلالتهما على التكرار ؛ لعدم انفكاك المعلول عن العلّة - وإن كانت العلّة أمارة محضة - لأنّها علامة منصوبة من الشرع لتعريف الحكم ، فيجب كلّيّتها ، وإلّا لزم الإغراء بالجهل ، فلا فرق بين العلل الباعثة والمعرّفة في وجوب وجود الحكم معهما كلّما وجدتا وإن كان بينهما فرق من جهات أخر ، فما لا يدلّ على التكرار كما في الأمثلة المتقدّمة ، فالسبب فيه عدم اعتبار تعليله بالقرينة . وبما ذكر ظهر أنّه يصحّ أن يقال : إنّهما يفيدان العموم عرفا وشرعا ، أي من حيث إنّ الشرع والعرف يفهمان منهما العلّيّة . وهذا هو السرّ في تكرّر حلّ الأوامر الشرعيّة المعلّقة عليهما بتكرّرهما .
هامش
( 1 ) . في « ب » : « ثبت » .