تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنيس المجتهدين في علم الأصول — صفحة 951

مساهمون:

ص٩٥١
ويدلّ عليه أيضا بعض الظواهر ، نحو قوله تعالى :
ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا . . .
« 1 » ، وغيره ، وتخصيصه بغير المجتهد منهم تحكّم . احتجّ المخالف - وهو القائل بأنّ كلّ مجتهد فيها مصيب لا على معنى مطابقة ما أدّى اجتهاده للواقع ؛ فإنّه غير معقول ، ولم يقل به أحد ، بل بمعنى زوال الإثم - بأنّ التكليف بخلاف ما أدّى إليه النظر والاجتهاد تكليف بالمحال ؛ لأنّ حصوله « 2 » بعدهما ضروري ، واعتقاد خلافه ممتنع « 3 » . والجواب : أنّ علم الحجّة واضح لمريدها ، فمن لم يصلها فقد قصّر في النظر . وأمّا الشرعيّات « 4 » ، فإن بلغت حدّ القطع ، فالمصيب فيها أيضا واحد - وهو من أخذ بالمقطوع به - وغيره آثم . وإن لم تبلغ حدّ القطع ، بل افتقرت إلى نظر واجتهاد ، وجب على المجتهد بذل المجهود فيها ، وبعد بذل جهده ما تعلّق ظنّه به يجب عليه العمل به ، ولا إثم عليه حينئذ وإن أخطأ ؛ لما ثبت بالتواتر من اختلاف الصحابة في المسائل من دون التأثيم من بعضهم لبعض معيّن أو مبهم ، مع أنّا نقطع بأنّه لو كان إثم ، لقضت العادة بذكره « 5 » . والظاهر عدم الخلاف في ذلك ، إنّما الخلاف في التخطئة والتصويب ، بمعنى أنّ المسألة التي لا قاطع فيها هل فيها حكم معيّن للّه تعالى - من أصابه فهو مصيب وغيره مخطئ معذور - أم ليس فيها حكم معيّن للّه ، بل حكم اللّه فيها تابع لظنّ المجتهد ، فما ظنّه كلّ مجتهد فيها فهو حكم اللّه تعالى فيها ؟ فذهب أصحابنا إلى الأوّل « 6 » ، وأكثر العامّة إلى الثاني . لنا : شيوع تخطئة السلف بعضهم بعضا من غير نكير « 7 » .
هامش
( 1 ) . ص ( 38 ) : 27 . ( 2 ) . أي حصول الاعتقاد . ( 3 و 5 ) . حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول : 211 . ( 4 ) . عطف على « في العقليّات » . ( 6 ) . راجع مبادئ الوصول : 244 . ( 7 ) . حكى ابن الحاجب تخطئة جماعة لآخرين كأبي بكر وعمر وابن مسعود وعليّ بن أبي طالب وزيد وابن عبّاس وغيرهم في منتهى الوصول : 213 .