فهمه وإن كان مستلزما لمتاعب كثيرة ومشاقّ شديدة ، ولا ينتظر أن يحصل له القطع بمراد المتكلّم ، بل يعمل به وإن كان من المحتمل عنده أن يكون غرض المتكلّم خلاف ما فهمه ، ولذا لو أمر السلطان بأحد خدّامه بحمل كلّ دينار عنده ، واستصحاب عبد يشتريه ، والمسافرة إلى بلد في وقت معيّن - يفهم « 1 » من خطابه ثبات رأيه ، وعموم الدينار ، وإطلاق العبد بحيث يشمل المؤمن والكافر - فاشترى كافرا ، وحمل جميع ما عنده من الدنانير ، وسافر معهما « 2 » عند الوقت المذكور ، لم يذمّ ولم ينسب إلى تقصير باحتمال ندامة الآمر عن أمره ونسخه ولم يبلغه الناسخ ، وإخراج بعض الدنانير ، وتقييد العبد بالمؤمن ولم يصل إليه المخصّص والمقيّد ، وكذا الحال في خطابات الشارع .
ومنها : ما دلّ على أنّ اللّه تعالى لم يدع شيئا ممّا يحتاج إليه الناس إلّا أنزله في كتابه ، أو بيّنه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله في سنّته ، فلم يبق شيء من العلوم الاعتقاديّة والعمليّة إلّا ورد في كتاب أو سنّة حتّى أرش الخدش ، والجلدة ونصف الجلدة ، كقوله تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
« 3 » .
وقوله :
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
« 4 » .
وقول عليّ عليه السّلام : « أم أنزل اللّه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ، أم كانوا شركاء له ولهم أن يقولوا وعليه أن يرضى ، أم أنزل اللّه سبحانه دينا تامّا فقصّر الرسول صلّى اللّه عليه وآله عن تبليغه وأدائه ، واللّه سبحانه يقول :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
« 5 » ؟ » .
وقول الباقر عليه السّلام : « إنّ اللّه لم يدع شيئا يحتاج إليه الامّة إلّا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله ، وجعل لكلّ شيء حدّا ، وجعل عليه دليلا يدلّ عليه ، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّا » « 6 » .
وقول الصادق عليه السّلام : « ما من شيء إلّا وفيه كتاب أو سنّة » « 7 » .
هامش
( 1 ) . جملة « يفهم » حال عن أحد خدّامه وقوله : « لم يذمّ » جواب « لو » .
( 2 ) . أي مع الاشتراء والحمل .
( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 38 .
( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 59 .
( 5 ) . الاحتجاج 1 : 620 ، ح 142 .
( 6 ) . الكافي 1 : 59 ، باب الردّ إلى الكتاب و . . . ، ح 2 .
( 7 ) . المصدر ، ح 4 .