تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنيس المجتهدين في علم الأصول — صفحة 910

مساهمون:

ص٩١٠

الثاني : في توقّف الاستنباط على الملكة - كاملة كانت أو متجزّئة - وعلى ما ذكر من المقدّمات الاصوليّة والرجاليّة وغيرهما ؛

فإنّ أكثر الأخباريّين ذهبوا إلى أنّه لا يتوقّف على شيء من ذلك ، بل قالوا : إنّ الثابت وجوب إطاعة اللّه وإطاعة اولي الأمر ، فمن سمع آية أو حديثا وفهم مرادهم منهما كما يفهم مراد غيرهم من كلامه ، يجب عليه العمل بمقتضى فهمه ، ولا يتوقّف هذا الفهم على ما ذكره المجتهدون من المقدّمات العقليّة والنقليّة واللغويّة ، ولا يلزم عليه العلم بسائر الآيات والأخبار ، والتفحّص في أنّه هل له معارض أو مخصّص أم لا ؟ بل لو انحصر اقتداره على فهم آية واحدة أو حديث واحد ، لجاز له العمل ، بل لو أنّ أعجميّا علم معنى خبر معلوم النسبة إلى المعصوم بترجمة الثقة المأمون ، جاز له العمل به وإن لم يقدر على فهمه لو لم يترجمه ، فلا يجب على من ليس ماهرا في علم الحديث ، محيطا بعامّه وخاصّه ، مطلقة ومقيّده ، ما له معارض وما ليس له معارض ، ما صدر تقيّة وما لم يصدر تقيّة ، ما هو مطابق للواقع وما ليس كذلك ، ولا عارفا بوجوه التراجيح الاجتهاديّة والمنقولة ، ولا مقتدرا على الترجيح عند التعارض أن يرجع إلى من هو كذلك ، بل كلّ ما يفهمه يعمل به من غير لزوم تقليد لغيره ، وما لا يفهمه يسأله عن غيره « 1 » .

[ حجة المخالفين في طريقة المجتهدين ]

واحتجّوا على ذلك بوجوه : منها : الطريقة المستمرّة بين أصحاب النبيّ والأئمّة عليهم السّلام ، فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله كان يحدّث أصحابه ، فيفهمون من قوله حكم اللّه ويعملون به من غير توقّف لاحتمال المعارض أو المخصّص أو غيرهما . وربما يرسل بعضهم بالأخبار ، إلى أهل البلاد والقفار ، وبمجرّد النقل والسماع يعملون بما يفهمونه ، فيعملون بالعامّ إلى مجيء المخصّص ، وبالمطلق إلى مجيء المقيّد ، وبالذي سينسخ إلى ورود الناسخ ، ولم يكونوا يتوقّفون لاحتمال ورود المعارض أو المخصّص أو الناسخ أو توقّف الفهم على مقدّمات لم يكونوا يعلمونها . وهكذا كان الأمر إلى زمان الصادق عليه السّلام فجمع بعض أصحابه بعض الأخبار المتعلّقة ببعض الأحكام ، وكان هو ومن عنده هذا الأصل يعملون به ، مع أنّه لم يستقص فيه مخصّص
هامش
( 1 ) . راجع الفوائد المدنيّة : 55 - 56 و 150 - 153 .