ويؤكّده ما ثبت عندنا - كما يأتي « 1 » - أنّ للّه في كلّ واقعة حكما واحدا واقعيّا ؛ إذ يلزم السعي حينئذ لتحصيله مهما أمكن ، وهو لا يتمّ بدون التمسّك بطريقة أهل الاجتهاد ، وأنّى يمكن بدونه مع ظهور التوقّف وعدم إمكان درك حكم بدون تفريع الفروع وردّها إلى ما أسّسه المجتهدون من « 2 » الأصول ؟
وكيف لا يكون طريق الاجتهاد حقّا ، مع أنّه ليس إلّا استنباط الحكم ممّا يثبت حجّيّته من الشريعة من الآيات والأخبار ، أو الإجماع الذي علم دخول قول المعصوم فيه ، أو الدلالة العقليّة التي ثبت حجّيّتها بالشرع ، أو العقل الذي هو حجّة من عند اللّه - كما دلّت عليه الآثار ، ونطقت به الشواهد الواردة من الحجج الأخيار « 3 » - أو القياس المنصوص العلّة مع العلم بعدم مدخليّة خصوص محلّ الأصل ، وهل التمسّك به « 4 » بعد ذلك ليس تمسّكا بقول المعصوم عليه السّلام ؟
ثمّ التمسّك في مقام الاستدلال ببعض المسائل الاصوليّة ، والمقدّمات اللغويّة ، والشواهد العرفيّة لأجل توقّفه عليها وعدم إمكان استخراج المسائل بدونها . وقل لي ما لم يثبت أنّ الأمر حقيقة في الوجوب كيف يحكم بأنّ ما يفهم منه يلزم علينا ولا يمكن تركه ؟ ! وما لم يثبت أنّ الجمع المعرّف باللام موضوع للعموم كيف يحكم بأنّه يفيد الاستغراق والشمول ؟ ! وقس عليهما غيرهما ، ففعل المجتهد ليس إلّا السعي في درك الأحكام من قول اللّه وقول حججه وإن كان ذلك بمعونة مقدّمات يتوقّف دركه عليها .
فالفرق بين المجتهد من الخاصّة والمجتهد من العامّة أنّ الأوّل يفتي بما فهم من قول المعصوم وإن احتاج فهمه إلى الفكر والنظر ، والثاني يفتي بما يستنبطه من أصل قرّره هو بنفسه .
والتأمّل يعطي أنّها « 5 » ليست قاعدة اصوليّة عند الشيعة إلّا وهي في الحقيقة ملقاة إليهم من
هامش
( 1 ) . يأتي في ص 951 - 952 .
( 2 ) . بيان للموصول .
( 3 ) . راجع وسائل الشيعة 15 : 206 - 207 ، أبواب جهاد النفس وما يناسبه ، ح 6 .
( 4 ) . أي بما ثبتت حجّيّته .
( 5 ) . الضمير للحكاية .