وقيل بالإجمال إن كان الفعل المنفيّ لغويّا له أكثر من حكم واحد « 1 » ، وعدمه إن كان شرعيّا ، كما في الأمثلة المذكورة ، أو لغويّا ذا حكم واحد .
لنا : أنّ النفي قد ورد على ذوات هذه الأفعال ، فإن ثبت كونها حقائق شرعيّة في الصحيحة منها - حتّى كان المعنى : « لا صلاة صحيحة » و « لا صيام صحيحا » - كان نفي المسمّى حينئذ ممكنا باعتبار فوات الجزء أو الشرط ، فيحمل عليه ؛ لأنّه إذا أمكن الحمل على الحقيقة لا يحمل على غيرها ، وحينئذ لا إجمال .
وإن لم يثبت ذلك ، فإن ثبت حقيقة عرفيّة في الفعل المنفيّ - وهو أنّ مثله يقصد منه نفي الفائدة والجدوى ، نحو : « لا علم إلّا ما نفع » و « لا كلام إلّا ما أفاد » - كان متعيّن الحمل عليه ولا إجمال أيضا .
وإن لم يثبت ذلك ، يجب حمله على المجاز ، والمجازات كثيرة ، مثل نفي الصحّة ، ونفي الكمال وغيرهما ، إلّا أنّ الحمل على نفي الصحّة أولى ؛ لأنّه أقرب إلى نفي الذات - التي هي الحقيقة « 2 » - من البواقي ، وقد تقدّم « 3 » أنّه إذا انتفت الحقيقة وتعدّدت المجازات وترجّح واحد - لكونه أقرب إلى الحقيقة - تعيّن الحمل عليه .
احتجّ القائل بإجماله مطلقا بأنّ مثله يمكن أن يراد منه نفي الصحّة ونفي الكمال ونفي الفائدة على السواء ، من دون ترجيح لأحدها ، فلزم الإجمال .
والجواب : منع التساوي ؛ لأنّ نفي الصحّة راجح ؛ لما ذكر .
واحتجّ المفصّل بأنّ الفعل إن كان شرعيّا يمكن انتفاؤه بانتفاء شرطه أو جزئه ، فيجري النفي فيه على ظاهره ، ولا يكون هناك إجمال ، وإن كان لغويّا ذا حكم واحد ، انصرف النفي إليه وانتفى الإجمال .
وأمّا إذا كان لغويّا له حكمان أو أكثر ، كالإجزاء ، والفضيلة وغيرهما ، فليس أحدهما أرجح من الآخر ، فيحصل الإجمال .
وجوابه : قد ظهر ممّا تقدّم .
هامش
( 1 ) . قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول : 138 .
( 2 ) . حقّ العبارة أن تكون هكذا : « الذي هو الحقيقة » ، لأنّ مفاد « لا » لنفي الجنس حقيقة هو نفي الذات لا الذات نفسه .
( 3 ) . تقدّم في ص 829 .