ثمّ إنّها ليست حقيقة في الإباحة فقط ؛ لبداهة اقتضائها ترجيح الفعل ، وليست للندب فقط أيضا ؛ لضرورة الفرق بينها وبين ما يفيد الندب كما ذكرنا « 1 » ؛ وللزوم عدم كون الواجب حينئذ مأمورا به ، وهو باطل ضرورة ، مع أنّ القول بأنّها للندب فقط « 2 » بعيد ؛ لضعف أدلّته ، وندور قائله ، فإذا كانت الصيغة مردّدة بين كونها للوجوب فقط والندب فقط ، فلا يكاد أن يختار الثاني عاقل .
وما قيل : إنّه ينتهض حجّة على القائل بالاشتراك اللفظي دون المعنوي ؛ لأنّه ليس خلاف الأصل « 3 » ، ضعيف ؛ لأنّ مخالفة الاشتراك للأصل لإخلاله بالتفاهم وهو حاصل هنا « 4 » ؛ فإنّ الصيغة لو كانت حقيقة في الطلب وأحد أفراده الوجوب ، والآخر الندب وهما متغايران - ولا يعلم المخاطب أنّ المراد الأوّل حتّى لو لم يمتثل كان عاصيا ، أو الثاني حتّى لو لم يمتثل لم يكن عاصيا - فيحصل الإخلال بالتفاهم ، والتكليف بما لا يعلم .
ولا يمكن أن يقال هنا « 5 » بجواز إرادة القدر المشترك ، وهو مطلق الطلب في ضمن أيّ منهما كان ؛ لأنّ تخيير المكلّف بين كون الشيء واجبا عليه أو مندوبا عليه لا معنى له ، فالاشتراك المعنوي الذي ليس خلاف الأصل هو ما ليس بهذه المثابة ، بل ما كان بحيث أمكن إرادة القدر المشترك منه من غير لزوم فساد . وهذا « 6 » وإن لم يثبت سوى الحقيقة اللغويّة إلّا أنّ المطلوب « 7 » يتمّ به بالضميمة المذكورة « 8 » .
ومنها : قوله تعالى :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
« 9 » ؛ إذ المراد به
اسْجُدُوا
في قوله :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا . . .
« 10 » الآية ، دلّ - لكونه في معرض الإنكار والاعتراض -
هامش
( 1 ) . تقدّم في ص 597 - 598 .
( 2 ) . القول لأبي هاشم وكثير من متكلّمي المعتزلة وجماعة من الفقهاء والشافعي كما تقدّم في ص 602 ، الهامش 1 .
( 3 ) . أشار إليه الفخر الرازي في المحصول 2 : 94 .
( 4 و 5 ) . أي الاشتراك المعنوي .
( 6 ) . أي هذا الوجه .
( 7 ) . وهو كون الصيغة حقيقة في الوجوب شرعا وعرفا ولغة .
( 8 ) . وهي عبارة عن أصالة الحقيقة .
( 9 ) . الأعراف ( 7 ) : 12 .
( 10 ) . البقرة ( 2 ) : 34 .