تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنيس المجتهدين في علم الأصول — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
على الذمّ ، ولولا أنّ صيغة «
اسْجُدُوا
» للوجوب لما كان متوجّها ، وكان له أن يقول : « لم تذمّني على ترك ما لم توجبه عليّ ؟ » ، وسوق الآية وأصالة العدم يفيدان ترتّب الذمّ على مجرّد مخالفة الأمر من غير مدخليّة خصوصيّة المادّة والأمور الخارجيّة ، فلا يرد جواز إفادة صيغة الأمر للوجوب في هذه المادّة دون غيرها ، أو في تلك اللغة دون لغتنا ، ولا منع دلالته على العموم ؛ نظرا إلى أنّه حكاية حال وهي لا تفيد العموم . على أنّه لو ثبت كون هذه الصيغة حقيقة في الوجوب ، ثبت كون جميع صيغ الأمر كذلك ؛ لعدم القول بالفصل . ولا جواز « 1 » ترتّب الذمّ على المخالفة مع الاستكبار . ومنها : قوله :
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 2 » أمر مخالف الأمر بالحذر ، وهذا الأمر للوجوب قطعا ؛ إذ لا معنى لندب الحذر أو إباحته . على أنّ سوق الآية - لورودها في معرض الوعيد - دلّ على وجوب الحذر ، وإيجاب الحذر عليه تهديد على مخالفة الأمر ، وهو يدلّ على أنّ الأمر للوجوب ؛ إذ لا تهديد على غير الواجب . ومع التنزّل فلا أقلّ من دلالته على حسن الحذر ، وهو دليل قيام المقتضي للعذاب ؛ إذ بدونه لا يحسن الحذر ، ولذا يلام من يحذر عن سقوط جدار محكم لا يريد أن ينقضّ ، ومعه يثبت أنّ الأمر للوجوب ؛ إذ المقتضي للعذاب هو ترك الواجب لا المندوب . وعلى التقادير يندفع ما يقال : لا نسلّم دلالة الصيغة على وجوب الحذر إلّا إذا ثبت أنّ الأمر للوجوب ، وهو عين المتنازع فيه « 3 » . ثمّ المتبادر من مخالفة الأمر هو ترك المأمور به ، سواء اعتبرت متضمّنة معنى الإعراض أو غيره ممّا يناسب التعدية ب « عن » ، فلا يرد أنّ المراد بها حمله « 4 » على ما يخالفه - بأن يكون للوجوب أو الندب ، فيحمل على غيره - أو اعتقاد « 5 » فساده ؛ لأنّها
هامش
( 1 ) . عطف على « جواز إفادة » والمراد أنّه قيل : يجوز أن يكون الذمّ على المخالفة الصادرة عن الاستكبار وكلامنا في المخالفة المحضة . أجاب بأنّه لا يجوز أن يقال هكذا . ( 2 ) . النور ( 24 ) : 63 . ( 3 ) . قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2 : 169 . ( 4 ) . أي حمل المكلّف الأمر على معنى يخالف الأمر ، أو اعتقد فساد الأمر وعدم كونه حقّا . ( 5 ) . عطف على الموصول المجرور .