تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنيس المجتهدين في علم الأصول — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
ولا ريب أنّ ما نحن فيه ليس من الأوّل ، بل من الثاني لو كان المستعمل هو اللغويّ ، واستعمل الصيغة في الوجوب مطلقا ، أو مع قرينة احتمل معها كونها حقيقة فيه . ولو استعملها فيه بقرينة المجاز بحيث لم يحتمل معها كونها حقيقة فيه ، لم يكن من الثاني أيضا ، بل لا يكون « 1 » حينئذ حقيقة فيه قطعا ، واستعماله عندنا مردّد بينهما . وكيف كان ، لا يمكن الحمل على الحقيقة لأصالة عدم التجوّز . ولو كان المستعمل هو الشرع أو العرف ، فحكمه كاللغوي ، مع أنّه لو سلّم هنا أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة لا يثبت منه الحقيقة اللغويّة ، بل حقيقتهما ؛ لأنّ استعمال كلّ شخص لو أثبت الحقيقة فإنّما يثبت حقيقته لا حقيقة غيره . فكيف كان ، لا يصحّ التمسّك في إثبات الحقيقة اللغويّة بأصالة الحقيقة ، بل يتوقّف على التمسّك بأصالة عدم النقل . هذا . وأجاب بعضهم عن الدليل الثاني بمنع الذمّ . ومع التسليم فإنّما هو لترك المندوب ، أو الأمر الدائر بين الواجب والمندوب ؛ فإنّ تارك كلّ منهما يستحقّ الذمّ عقلا « 2 » . ولا يخفى أنّه مكابرة ؛ فإنّ تعلّق ذمّ العقلاء بعبد ترك امتثال أمر مولاه وحكمهم بعصيانه بديهيّ ، إنكاره سفسطة ، وبديهة العقل حاكمة بأنّ مثل هذا الذمّ لا يتوجّه على ترك المندوب وما يحتمل الوجوب ؛ فإنّ الفرق ظاهر بين « اسقني » و « ندبتك إلى أن تسقيني » أو « طلبت منك السقي » ، أمّا وجوبا أو ندبا من غير التعيين . ومنها « 3 » : تبادر الوجوب عنها إذا أطلقت عند أهل الشرع والعرف واللغة ، وإنكاره مكابرة ، وهو آية الحقائق الثلاث « 4 » . ومنها : أنّ الاشتراك خلاف الأصل ، فيبطل الأقوال المبنيّة عليه ، وتكون حقيقة لأحد المعاني المتقدّمة فقط مجازا في الباقي . وعدم كونها حقيقة لواحد منها فقط غير الوجوب والندب والإباحة ظاهر ؛ لأنّه لم يقل به أحد ، ولو قيل به لكان ظاهر البطلان ، فبقي احتمال كونها حقيقة لأحد الثلاثة فقط .
هامش
( 1 ) . لفظ الأمر . ( 2 ) . قاله الفخر الرازي في المحصول 2 : 74 و 75 . ( 3 ) . مرّ أوّل الوجوه في ص 602 . ( 4 ) . أي الشرعيّة والعرفيّة واللغويّة .
أنيس المجتهدين في علم الأصول — صفحة 604 | ملا محمد مهدي النراقي